يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتلاوة خبر نبي الله إدريس عليه السلام في هذا الذكر الحكيم؛ وهو من أقدم أنبياء البشرية بعد آدم وشيث عليهما السلام، وكان متصفاً بالصدق العظيم التام والمبالغة في التصديق بشرع ربه، واصطفاه الله نبياً يوحى إليه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 549)مصدر غير محدد١٥/٥٤٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي أن إدريس عليه السلام هو جد أبي نوح؛ واسمه في كتب أهل الكتاب «أخنوخ»، وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبسها وكان الناس قبله يلبسون الجلود، وأول من جاهد في سبيل الله.
وروى البخاري في صحيحه (رقم 3487)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٨٧ ومسلم (رقم 162)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٢ في حديث الإسراء والمعراج عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عُرج به إلى السماء الرابعة رأى فيها إدريس عليه السلام، فسلم عليه، فقال إدريس: «مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ». فثبتت نبوته وفضيلته بصريح السنة المتواترة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«إِدْرِيسَ»: اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ وقيل: مشتق بالعربية من «الدرس» لكثرة دراسته لكتب الله وصحف آدم وشيث، ولكن الراجح عند المحققين أنه أعجمي قديم.
«صِدِّيقًا»: صيغة مبالغة على وزن «فِعِّيل»؛ كثير الصدق، عظيم التصديق بوحي الله.
«نَّبِيًّا»: من النبوة والاصطفاء.
الإعراب:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ»: كإعراب نظائرها، إدريس مفعول به منصوب بالفتحة غير منون.
«إِنَّهُ كَانَ»: إن واسمها، وكان واسمها مستتر.
«صِدِّيقًا»: خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
«نَّبِيًّا»: خبر ثانٍ أو نعت لـ (صديقاً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الذكر لإدريس عليه السلام يعود بسلسلة النبوة إلى أقدم عصورها الأولى قبيل الطوفان؛ لبيان أن موكب النبوة موكب قديم ممتد في تاريخ الإنسانية، متصل الحلقات بوحدة التوحيد والإيمان والصدق.
والمطابقة اللفظية التامة بين وصف إبراهيم في الآية (41): {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} ووصف إدريس هنا: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} تؤكد أن الصدّيقية هي القاسم المشترك الأعظم بين أئمة النبوة في كل عصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دحض الإسرائيليات والخرافات حول صعود إدريس ووفاته:
وردت في بعض كتب التفسير روايات إسرائيلية باطلة تزعم أن إدريس صعد مع ملك إلى السماء ليتوسط له عند ملك الموت، وأنه قبضت روحه بين السماء الرابعة والخامسة ونحو ذلك من الروايات المنكرة.
والمحاكمة النقدية التي حررها ابن كثير تسقط هذه الأخبار جملة: «هذا من الإسرائيليات التي لا يُصدق منها إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسوله، والأقرب أنها من تخرصات أهل الكتاب؛ والواجب الإيمان بما أثبته القرآن من كونه صديقاً نبياً رفعه الله مكاناً علياً، وبما صح في حديث المعراج أنه في السماء الرابعة».
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يذكر هذا النص الأمة بأن العلم والصناعة والمدنية الحقيقية نشأت في أحضان النبوة؛ فالخياطة، والخط بالقلم، وتدبير المعاش كلها من بركات هدي الأنبياء وصحفهم.
ويعلمنا أن الصدق مع الله هو السبيل الوحيد لخلود الذكر ونيل رفعة الدرجات عند رب العالمين.