حين بلغت الشدة بمريم ذروتها وانقطع رجاؤها من كل مخلوق، تنزل الغوث الإلهي فجأة؛ حيث ناداها منادٍ من مكان أسفل منها يبشرها ويسليها وينهاها عن الحزن، معلناً أن ربها قد فجر تحتها نهراً عذباً جارياً تشرب منه وتتطهر به.
روى الطبري (ج 15، ص 490)مصدر غير محدد١٥/٤٩٠ عن مجاهد والحسن وابن زيد وقتادة في المنادي: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا}: «هو عيسى بن مريم عليه السلام حين وضعته ناداها من تحتها». وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص: {مِن تَحْتِهَا} بكسر الميم على أنها حرف جر؛ أي من مكان منخفض تحتها. وقرأ ابن كثير ونافع في رواية وأبو عمرو: {مَنْ تَحْتَهَا} بفتح الميم؛ أي الذي تحتها وهو عيسى عليه السلام، أو جبريل وكان في بطن الوادي تحت أقدامها.
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 226)مصدر غير محدد٥/٢٢٦ عن ابن عباس والبراء بن عازب في قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}: «السريّ هو النهر الصغير العذب، باللسان السرياني، وقيل باللغة العربية؛ يقال للجدول الصغير: سريّ لأنه يسري ويجري بالماء». وروي عن الحسن البصري: «السريّ: هو عيسى عليه السلام؛ لأنه كان سيداً سرياً شريفاً»، والجمهور على أنه النهر والجدول لقرينة قوله تعالى بعده: {فَكُلِي وَاشْرَبِي}؛ فالأكل من النخلة والشرب من السريّ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
«سَرِيًّا»: فَعِيل، وله في لغة العرب معنيان جليلان:
النهر والجدول الصغير الجاري بالماء؛ من السريان وهو الجريان والانسياب السريع.
الشريف الكريم الرفيع المكانة؛ يقال: فلان سريّ من سراة القوم إذا كان شريفاً مطاعاً؛ والأول هو الأرجح لمناسبة الشرب في الآية اللاحقة.
«أَلَّا تَحْزَنِي»: الحزن انكسار القلب لمكروه ماضٍ أو حاضر، والنهي عنه بشارة بالأمان وزوال الهم.
الإعراب والقراءات:
«فَنَادَاهَا»: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، وها مفعول به في محل نصب.
القراءات في {مَن/مِن}:
قراءة الجمهور بكسر الميم {مِن تَحْتِهَا}: جار ومجرور متعلق بـ (ناداها)، والفاعل مستتر يعود على جبريل أو على عيسى.
قراءة فتح الميم {مَنْ تَحْتَهَا}: من اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل (ناداها)؛ أي ناداها الذي هو تحتها، وتحتها ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول.
«أَلَّا تَحْزَنِي»: أن مفسرة للنداء لا محل لها من الإعراب، أو مصدرية ناصبة؛ لا ناهية جازمة، تحزني فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والياء فاعل.
«قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ»: قد حرف تحقيق، جعل فعل ماض، ربك فاعل والكاف مضاف إليه.
«تَحْتَكِ»: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (جعل) أو بمحذوف مفعول ثانٍ.
«سَرِيًّا»: مفعول به أول لـ (جعل) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يأتي هذا النداء كالغيث الهاطل على الأرض المحترقة؛ فما كادت مريم تطلق زفرة الألم {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا} حتى جاءها الرد الفوري {فَنَادَاهَا... أَلَّا تَحْزَنِي}؛ ليعلم كل مؤمن أن نداءات الغوث الإلهي سريعة الإجابة للمنكسرة قلوبهم.
وبدأ الخطاب بنفي الحزن {أَلَّا تَحْزَنِي} قبل ذكر النعم؛ لأن سلامة النفس وسكون الروع وطمأنينة القلب مقدمة على نعيم الطعام والشراب، ثم أتبع ذلك بالدليل الحسي المعاش: تفجير النهر الصغير تحت أقدامها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى «السريّ» والرد على من صرفه عن الحقيقة:
حاول بعض المفسرين حصر معنى «السريّ» في السيادة والشرف وجعلوه نعتاً لعيسى عليه السلام، وقالوا: إن الصحراء لم يكن فيها ماء يجري.
والمحاكمة اللغوية والنظمية ترجح بقوة قول جمهور السلف أن السري هو النهر؛ لأن الآية التي تليها مباشرة رتبت النتيجة على ذلك فقالت: {فَكُلِي وَاشْرَبِي}، فكان الرطب للأكل، والماء الجاري المنفجر من السري للشرب والتطهر؛ وتفجير النهر في الصحراء القاحلة تحت قدميها هو عين المعجزة والإعجاز الرباني الذي لا يعجزه شيء، كما فجر الله عين زمزم تحت قدمي إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر في بطحاء مكة.
التنكير في «سَرِيًّا»: لإفادة التعظيم والبركة والصفاء؛ فهو نهر رقراق مبارك عذب زلال انفجر بكرامة الله لوليه ورسوله وأمه الصديقة.
إضافة الرب إلى كاف الخطاب المؤنث {رَبُّكِ}: استحضار للرعاية الإلهية الخاصة والحنان الرباني الموجه إليها في ساعة محنتها؛ أي: ربك الذي رباك واصطفاكِ لن يتخلى عنكِ في هذا الكرب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النداء نداء الرجاء في كل قلب حزين: «ألا تحزني»؛ فالمؤمن مهما استحكمت عليه الشدائد ينبغي ألا يستسلم للحزن المقعِد؛ فإن الله قد أعد له من المخارج والفرج ما لا يخطر على باله.
وفيه دلالة على إكرام الله لأوليائه بالكرامات وخوارق العادات عند الضرورة، وأن من توكل على الله فجر له ينابيع الخير والأمان من حيث لا يحتسب.