يفتح الله الرحيم بابه الواسع للتوبة والرجوع؛ فاستثنى من ذلك الوعيد الشديد بوادي الغي كل من تدارك نفسه بالندم والإقلاع عن تضييع الصلاة والشهوات، وجدد إيمانه بالله، وأتبع ذلك بالعمل الصالح المستقيم؛ فأولئك التائبون المخلصون يبدل الله سيئاتهم حسنات، ويدخلهم جنات النعيم، ولا ينقصون من أجور حسناتهم أدنى شيء.
روى الطبري (ج 15، ص 559)مصدر غير محدد١٥/٥٥٩ عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}: «أي رجع عن إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، وصدق بالله ورسوله، وأدى فرائض ربه؛ فإن الله يتوب عليه ويدخله الجنة ولا ينقصه من ثواب عمله شيئاً».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 244)مصدر غير محدد٥/٢٤٤ عن أئمة السلف أن رحمة الله وسعت كل ذنب، فلو ضيع العبد صلواته دهراً ثم أناب وتطهر وعاد إلى ربه صادقاً محتسباً قبل الله توبته؛ لأن التوبة تجبّ ما قبلها والإسلام يهدم ما كان قبله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«إِلَّا»: أداة استثناء متصل.
«تَابَ»: التوبة في أصل اللغة هي الرجوع والإياب من المعصية إلى الطاعة؛ وأركانها: الندم، والإقلاع، والعزم على عدم العود.
«وَلَا يُظْلَمُونَ»: الظلم وضع الشيء في غير موضعه؛ والمراد هنا نفي النقص من أجورهم أو تحميلهم أوزار غيرهم.
«شَيْئًا»: نكرة للتقليل؛ أي لا ينقصون أدنى ذرة من أجورهم.
الإعراب والقراءات:
«إِلَّا»: حرف استثناء.
«مَن»: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء من واو (يلقون).
«تَابَ»: فعل ماض والفاعل مستتر والجملة صلة الموصول.
«وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا»: معطوفان، وصالحاً مفعول به لـ (عمل) أو صفة لمصدر محذوف؛ أي عملاً صالحاً.
«فَأُولَٰئِكَ»: الفاء رابطة لجواب الموصول المتضمن معنى الشرط، أولئك مبتدأ والكاف للخطاب.
«يَدْخُلُونَ»: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل (قراءة الجمهور بفتح الياء وضم الخاء يَدْخُلون مبنياً للفاعل)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر: {يُدْخَلُونَ} بضم الياء وفتح الخاء مبنياً للمفعول.
«الْجَنَّةَ»: مفعول به منصوب على السعة أو مفعول ثانٍ، وجملة يدخلون في محل رفع خبر أولئك.
«وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا»: الواو عاطفة أو حالية، لا نافية، يظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل، شيئاً مفعول مطلق نائب عن المصدر أو مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أرق هذا النظم القرآني وما أعظم رحمته! فبعد أن زلزل النفوس بالوعيد المخيف في وادي «الغي»، سارع فوراً إلى فتح باب الرجاء والأمل: {إِلَّا مَن تَابَ}؛ لئلا يقنط مقصر من رحمة ربه، ولتظل أبواب النجاة مشرعة أمام كل تائه غارق في الشهوات.
واشترط لقبول التوبة ثلاثة أركان متلازمة:
الإقلاع والرجوع: {تَابَ}.
تصحيح العقيدة: {وَآمَنَ}.
تصديق العمل بالجوارح: {وَعَمِلَ صَالِحًا}.
فالتوبة ليست مجرد أمنية باللسان، بل هي انبعاث عملي جديد في محراب الطاعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهات الخوارج والمعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة:
زعمت الخوارج والمعتزلة أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار ولا يُقبل له تدارك إن لم يتب أو كفروه بالذنب.
والقرآن الكريم يقرر هنا مذهب أهل السنة والجماعة: أن باب التوبة مفتوح لكل عاصٍ ما لم يغرغر؛ فمن تاب قبل الله توبته ودخل الجنة تفضلاً من الله ورحمة؛ فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
الإشارة بـ «فَأُولَٰئِكَ»: إشارة للتعظيم والتنويه بمنزلة التائبين؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، بل يرفعه الله بتوبته الصادقة إلى مصاف الأبرار.
التنكير في «شَيْئًا» في سياق النفي: يفيد العموم القطعي؛ نفي لأدنى مظلمة أو نقص؛ فالعدل الإلهي مطلق والفضل الرباني واسع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص نداء الأمل لكل من أثقلته ذنوب الغفلة وتضييع الصلوات: أقبل على ربك وتب إليه فإنه يفرح بتوبة عبده؛ وابدأ من هذه اللحظة عهداً جديداً مع الصلاة والعمل الصالح.
كما يعلم الدعاة إلى الله فتح أبواب الأمل للناس وعدم تقنيطهم من رحمة الله؛ فالدعوة تبشير وتيسير، ورحمة الله سبقت غضبه.