حين سمع زكريا عليه السلام البشارة المعجزة تحركت في نفسه مشاعر الدهشة والفرح والاستعظام لقدرة الله تعالى، فسأل ربه كيف تقع هذه الولادة: أيرد الله عليهما شبابهما أم يرزقهما الولد على حالهما من الشيخوخة واليباس؟
روى الطبري (ج 15، ص 458)مصدر غير محدد١٥/٤٥٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن زكريا عليه السلام لم يقل ذلك رداً للبشارة ولا تشكيكاً في قدرة الله، وإنما قاله تعجباً واستعظاماً للنعمة، واستعلاماً عن الكيفية التي يقع بها هذا الأمر الإعجازي: أيرد الله عليه شبابه وقوته وتشب امرأته، أم يهب لهما الولد وهما على حالهما من الهرم والعقم؟
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 216)مصدر غير محدد٥/٢١٦ عن أئمة السلف أن قول زكريا {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}: العتيّ هو نهاية الكبر وجفاف العظم ويبسه؛ يقال: عتا الشيخ يعتو عتياً وعتواً إذا يبس جسده وعظمه وبلغ أقصى مراحل الضعف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَنَّىٰ»: اسم استفهام يطلق على التعجب واستعلام الكيفية، بمعنى: كيف يكون ذلك ومن أي وجه؟
«عِتِيًّا»: أصله «عُتُوي» على وزن فُعول من العُتُو وهو اليبس والصلابة في غير موضعها، فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قُلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكُسرت التاء لمناسبة الياء فصار «عِتِيّاً»، وهو غاية اليبس في الأعضاء والمفاصل التي تعتري الهرمين.
الإعراب والقراءات:
«أَنَّىٰ»: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال، أو في محل نصب ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر يكون مقدم.
«يَكُونُ»: فعل مضارع ناقص مرفوع، و«لِي» جار ومجرور متعلق بمحذوف حال أو بخبر يكون.
«غُلَامٌ»: اسم يكون مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
«وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا»: الواو حالية، كان واسمها وخبرها، والجملة في محل نصب حال.
«وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا»: الواو حالية، قد حرف تحقيق، بلغت فعل وفاعل، من الكبر جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من عتياً أو متعلق بـ (بلغت)، عتياً مفعول به لـ (بلغت) منصوب، أو تمييز.
قراءة الجمهور: «عِتِيًّا» بكسر العين لمناسبة كسرة التاء والياء، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم في بعض الطرق بضم العين «عُتِيًّا» على الأصل في وزن فُعول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يتناسق هذا السؤال تمام التناسق مع الطبيعة البشرية حين تتلقى أمراً خارقاً للعادة؛ فزكريا عليه السلام كان هو نفسه الذي دعا ربه بالأمس قائلاً: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا}، فلما واجهته البشارة المباشرة بالتحقق غلبه التعجب، فعاد يذكر الموانع الطبيعية ليس رداً للأمر بل إعلاناً لعظم المعجزة وإبرازاً لموطن الخرق في العادة.
ونظم الآية يحمل تدرجاً بلاغياً بديعاً؛ إذ بدأ بذكر عقم الزوجة وهو مانع ذاتي دائم، ثم ثنّى بذكر عتيه هو في الكبر وهو مانع طارئ متفاقم، ليجتمع المانعان في مشهد واحد تتضاءل عنده كل الأسباب الدنيوية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم الشك في قدرة الله تعالى عند زكريا عليه السلام:
قد يوسوس الشيطان لبعض المبطلين بشبهة: كيف يسأل نبي من أنبياء الله المعصومين قائلاً: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ}، أكان شاكاً في قدرة الله على الخلق؟
والمحاكمة العقلية والسلفية تدحض هذه الشبهة دحضاً تاماً:
أن زكريا هو الذي سأل الولد وتوسل برحمة ربه من البداية، فلو كان شاكاً في القدرة لما سأل ابتداءً في حال شيخوخته وعقم زوجه؛ وإنما سأل استعلاماً عن طريق الإيجاد (هل يرد الله شبابهما أم يولد لهما مع بقاء الهرم؟).
الاستفهام هنا خرج مخرج التعجب والاستعظام للفرح والسرور وتأكيد الإعجاز، كما يقول من نزل به خير عظيم غير منتظر: «أنى لي هذا الخير العظيم وكيف نلت هذا الفضل الكبير؟!»، وهو من أساليب العرب الفصيحة في إظهار الشكر والابتهاج بفضل الله وتأكيد ضخامة النعمة الموهوبة.
البلاغة في التعبير بـ «عِتِيًّا»: اختيار هذا اللفظ دون غيره يصور الجسد كعود الشجر اليابس الصلب الذي جفت منه العصارة وفقد نداوته ولينه؛ فإذا أورق هذا العود اليابس وأثمر كان ذلك دليلاً ساطعاً على تدفق الحياة من واهبها الأول بلا أدنى شبهة.
التوازن النظمي والفواصل: تناسق «عتياً» مع فواصل السورة السابقة واللاحقة (زكريا، خفياً، شقياً، ولياً، رضياً، سمياً) يضفي روعة موسيقية خاشعة تسكن إليها القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرشدنا هذا الموقف إلى أن مشاعر الوجل والدهشة عند عظم عطاء الله لا تنافي الإيمان؛ بل إن المؤمن ينبغي أن يظل مستشعراً لضآلة قدرته أمام سعة كرم ربه.
ويعلمنا ألا نستحي من إظهار العجز التام والتعجب من ألطاف الله الخفية التي تأتي في أحلك الظلمات ومن وراء كل الحسابات البشرية المعقدة.