يقابل الله تعالى مشهد تكريم المتقين بمشهد خزي المجرمين وسحق كبريائهم؛ حيث يساق المشركون الكفار بالقهر والسلاسل والأغلال إلى نار جهنم، كما تُساق البهائم العطاش الظامئة إلى حياض الماء؛ فإذا وردوا جهنم لم يجدوا ماءً يروي ظمأهم بل وجدوا ناراً تلظى وماءً حميماً يقطع أمعاءهم.
روى الطبري (ج 15، ص 609)مصدر غير محدد١٥/٦٠٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا}: «الورد: العطاش؛ يقال: وردت الإبل إذا جاءت الماء عطشى؛ يساق المجرمون عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من شدة الظمأ إلى جهنم، فلا يشربون إلا الحميم والغساق».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 256)مصدر غير محدد٥/٢٥٦ عن السلف أن المقابلة بين الآيتين من أبلغ وجوه القرآن؛ فالمتقون وفد ركبان مكرمون إلى الرحمن، والمجرمون مشاة عطاش مهانون يساقون بالزبانية إلى جهنم ورداً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَنَسُوقُ»: السوق حث الكائن على السير من خلفه بعنف وقهر؛ وساق الدواب إذا زجرها ودفعها.
«الْمُجْرِمِينَ»: المجرم هو المرتكب لأبشع الجرائم وهو الشرك والكفر والمعاصي.
«وِرْدًا»: جمع وارد، وهو الذي يطلب الماء لشدة عطشه؛ يقال: قَوْمٌ وِرْدٌ إذا كانوا عطاشاً مشاة يقصدون المورد.
الإعراب:
«وَنَسُوقُ»: الواو عاطفة، نسوق فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره نحن (وقرأ يعقوب الحضرمي: {وَيُسَاقُ} بضم الياء مبنياً للمجهول والمجرمون نائب فاعل).
«الْمُجْرِمِينَ»: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم (أو نائب فاعل مرفوع بالواو على قراءة يعقوب).
«إِلَىٰ جَهَنَّمَ»: جار ومجرور متعلق بـ (نسوق)، وجهنم مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
«وِرْدًا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من المجرمين؛ أي حال كونهم عطاشاً ظامئين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أرهب هذا التقابل الإعجازي بين الآيتين المتعاقبتين!
الفاعل والموصوف: {الْمُتَّقِينَ} في مقابلة {الْمُجْرِمِينَ}.
الغاية والمقصد: {إِلَى الرَّحْمَٰنِ} في مقابلة {إِلَىٰ جَهَنَّمَ}.
الهيئة والحال: {وَفْدًا} (ركباناً مكرمين متوجين) في مقابلة {وِرْدًا} (مشاة عطاشاً مهانين).
فهذا التناظر في أربع ركائز بيانية يجعل المشهدين ماثلين للعيان يخلعان القلوب ويقهران الألباب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق بلاغة التهكم في تشبيههم بالواردين:
في وصف المجرمين بـ «وِرْدًا» تهكم إلهي بالغ؛ فالوارد على الماء ينتظر رياً وراحة وشراباً عذباً، ولكن هؤلاء المجرمين يقادون وهم يلهثون من شدة العطش ليجدوا أن «موردهم» هو قعر الجحيم وشرابهم الحميم والصديد: {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}؛ فكانت النتيجة عكس ما تمنوا تماماً.
البلاغة في التعبير بـ «نَسُوقُ»: استعارة تمثيلية لزجر الكفار وسوقهم كقطيع الدواب الضالة بالعصي والأغلال والزبانية؛ لإذلال كبريائهم الذي استعلوا به في الدنيا.
التنكير في «وِرْدًا»: للتهويل والفظاعة؛ عطاشاً عطشاً لا يروى ولا ينقطع ألمه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يلقي هذا المشهد الخوف والوجل في قلب كل مؤمن؛ فيستعيذ بالله من سوق المجرمين ومن ورود جهنم.
كما يعلمنا أن الشرف الحقيقي ليس بالمراكب الفارهة والمواكب الدنيوية الزائلة، بل الشرف في موكب يوم القيامة: أن تكون في وفد الرحمن لا في قطيع جهنم وسوقها المهين.