يفصل الله تعالى صفة تلك الجنة التي يدخلها التائبون المتقون؛ فهي جنات عدن وإقامة أبدية لا زوال لها ولا انقطاع، وعد بها الرحمن الرحيم عباده المؤمنين وهم لم يروها عياناً في الدنيا، بل آمنوا بها بالغيب تصديقاً لوحي الله، وإن وعد الله حق لا بد من إتيانه وتحققه واقعاً لا شك فيه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 562)مصدر غير محدد١٥/٥٦٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: «العدن في كلام العرب: الإقامة والخلود؛ يقال: عدن بالمكان إذا أقام به واستقر فلم يبرحه؛ وجنات عدن هي قصور ومنازل الخلود في دار السلام». وفي قوله: {بِالْغَيْبِ}: «أي غائبة عنهم لم يروها في الدنيا، ولكنهم آمنوا بها وأيقنوا بوعد الرحمن».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 244)مصدر غير محدد٥/٢٤٤ في قوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا}: «أي كائناً لا محالة، آتياً يأتيه عباده، أو يأتيهم وعده وثوابه؛ فالمفعول بمعنى الفاعل أو على أصله؛ لأن كل ما وعد الله به فهو واقع لا خلف فيه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«جَنَّاتِ»: جمع جنة، وهي البستان الملتف الشجر والرياض النضرة التي تستر من بداخلها بظلالها وثمارها.
«عَدْنٍ»: مصدر عَدَنَ يَعْدِنُ إذا أقام وثبت، وأضيف الجنات إليه للدلالة على الاستقرار والخلود الأبدي.
«بِالْغَيْبِ»: الباء للملابسة؛ أي آمنوا بها وهي غيب عن أعينهم، أو وعدهم إياها غائبة عن مداركهم الحسية في الدنيا.
«مَأْتِيًّا»: اسم مفعول من الإتيان؛ والمراد: آتياً لا ريب فيه؛ كقولهم: «فإن ما توعدون لآتٍ».
الإعراب:
«جَنَّاتِ»: بدل من (الجنة) في الآية السابقة منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم؛ أو عطف بيان.
«عَدْنٍ»: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
«الَّتِي»: اسم موصول مبني في محل نصب نعت لـ (جنات).
«وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ»: فعل وفاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«عِبَادَهُ»: مفعول به أول منصوب، والهاء مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف تقديره إياها، والجملة صلة الموصول.
«بِالْغَيْبِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (عباده) أو من (جنات)؛ أي حال كونهم مؤمنين بالغيب.
«إِنَّهُ»: إن واسمها، والهاء ضمير الشأن أو يعود على الرحمن أو على وعده.
«كَانَ»: فعل ماض ناقص.
«وَعْدُهُ»: اسم كان مرفوع والهاء مضاف إليه.
«مَأْتِيًّا»: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يعزز الثقة المطلقة بوعد الله؛ فبعد أن بين مصير التائبين بدخول الجنة، خلع على تلك الجنة وصف «جنات عدن»؛ لطمأنة القلوب بأن هذا النعيم سرمدي لا ينقطع، وأن الرحمن برحمته الواسعة قد أعده لعباده الذين أخلصوا له في خلواتهم وآمنوا بالغيب دون أن يعاينوا الجنة بأبصارهم.
واقتران الوعد باسم «الرَّحْمَٰنِ» بالذات إشعار بأن دخول الجنة ليس جزاءً مكافئاً لعمل العبد المجرد، بل هو محض فضل ورحمة فائضة من الرحمن الرحيم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ».
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى اسم المفعول «مَأْتِيًّا» ودفع توهم القلب اللغوي:
استشكل بعض النحاة كيف يوصف الوعد بأنه «مأتيّ» واسم المفعول يقتضي أن الوعد هو الذي يُؤتى إليه، والمعتاد أن يقال: «وعده آتٍ»؟
والمحاكمة اللغوية الرصينة تدفع هذا الإشكال من وجهين:
أن كل ما أتاك وأنت متوجه إليه فقد أتيته وأتاك؛ فالعابد يسير إلى وعد الله والوعد يقبل عليه، فصح إطلاق اسم الفاعل والمفعول عليه لتلازمهما.
وقيل: «مَأْتِيًّا» اسم مفعول جاء بمعنى اسم الفاعل على لغة معروفة للعرب؛ كقولهم: «حجاباً مستوراً» أي ساتراً، و«ماء دافق» أي مدفوق؛ والمعنى: وعده آتٍ نافذ لا يتخلف قط.
البلاغة في قوله «بِالْغَيْبِ»: تنويه بمقام الإيمان بالغيب؛ فالإيمان بالغيب هو جوهر العبودية ومائز المؤمنين عن الماديين الجاحدين.
التوكيد بـ «إِنَّ» و«كَانَ»: لتقرير الصدق الحتمي الذي لا يعتريه شك؛ فما وعد الله به فهو كالكائن الواقع المفروغ منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يملأ هذا النص نفس المؤمن شوقاً ويقيناً بنعيم الجنة؛ فكل مشقة يلقاها العبد في صلاته ومجاهدة شهواته تهون إذا استحضر «جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب».
كما يربي العبد على اليقين بأن وعد الله قادم لا محالة، وأن زوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من أن يتخلف وعده لأوليائه.