يكمل الله تعالى تعداد شمائل يحيى بن زكريا عليهما السلام؛ فبعد أن بين صلته بربه (الحكم والتقوى) وصلته بالناس (الحنان والزكاة)، بيّن كمال صلته بأخص الخلق به وهما والداه الشيخ الكبير والمرأة العجوز؛ فكان غاية في البر والإحسان إليهما، منزهاً عن التكبر والتجبر وعصيان أمر ربه وأمر والديه.
روى الطبري (ج 15، ص 471)مصدر غير محدد١٥/٤٧١ عن قتادة قال: «كان يحيى عليه السلام براً بوالديه، يطيعهما فيما أمراه به ولا يعصيهما، ولم يكن جباراً عصياً يتعاظم على الناس ويتكبر على أمر ربه».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 220)مصدر غير محدد٥/٢٢٠ عن سفيان الثوري وسعيد بن المسيب أن يحيى عليه السلام كان رقيق القلب بكاءً من خشية الله، وكان يلبس شعر الخيل ويأكل ثمار الشجر ويبكي حتى أثرت الدموع في خديه، وكان إذا ناداه أبواه سارع إلى إجابتهما وتواضع لهما وقضى حوائجهما في شيخوختهما.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«بَرًّا»: البَرّ (بفتح الباء وتخفيف الراء أو كسرها) هو كثير الإحسان والطاعة؛ وبر الوالدين التوسع في الإحسان إليهما بالقول والفعل وخفض الجناح لهما.
«جَبَّارًا»: الجبار هو المتكبر المتسلط الذي يرى لنفسه حقاً على غيره ولا يرى لأحد عليه حقاً، ويقهر الناس على ما يريد بالظلم والعتو.
«عَصِيًّا»: فعيل بمعنى فاعل؛ أي عاصياً لربه أو لوالديه، وهو مبالغة في كثرة العصيان والتمرد.
الإعراب:
«وَبَرًّا»: الواو عاطفة، براً معطوف على (تقياً) في الآية السابقة ومنصوب مثله؛ أي وكان تقياً وبراً، أو منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره: وجعلناه براً.
«بِوَالِدَيْهِ»: جار ومجرور متعلق بـ (براً)، وعلامة جره الياء لأنه مثنى، والهاء مضاف إليه.
«وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا»: الواو عاطفة، لم حرف جزم ونفي، يكن فعل مضارع ناقص مجزوم، واسمها مستتر تقديره هو، جباراً خبر يكن أول منصوب، عصياً خبر ثانٍ أو نعت لـ (جباراً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يراعي أدق تفاصيل سياق القصة؛ فإن يحيى عليه السلام وُلد لأبوين طاعنين في السن أحوج ما يكونان إلى الرعاية والخدمة ولين الجانب؛ فلما كانت شيخوختهما بلغت غايتها خص الله يحيى بصفة «البر بالوالدين»؛ ليعلم أن وجوده كان رحمة وبركة تامة عليهما كما دعا أبوه: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.
ونفي صفة الجبروت والعصيان {وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} يؤكد أن علو شأنه وإيتاءه النبوة والحكم في الصبا لم يورثه كبراً على والديه ولا ترفعاً على قومه، بل زاده تواضعاً واستكانة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة استعلاء ذوي المناصب على الآباء:
في الواقع البشري كثيراً ما يعتري الأبناء إذا ارتقوا في العلم أو المنصب أو المكانة الاجتماعية نوع من التعالي على آبائهم، لا سيما إذا كان الآباء ضعفاء أو طاعنين في السن.
والمحاكمة القرآنية هنا تقدم النموذج النبوي المعصوم: فنبوة يحيى وعلمه اللدني وإيتاؤه الحكم لم يمنعه من خفض جناحه لشيخوخة زكريا وزوجته؛ فبر الوالدين عبادة واجبة لا تسقط برتبة علمية ولا بمكانة دنيوية، بل كلما ازداد العبد رفعة وجب عليه أن يزداد لوالديه تواضعاً وبراً.
المقابلة البديعة: بين صفة «البَرّ» التي تفيض بالود والرحمة، وبين صفتي «الجبار العصي» اللتين تنضحان بالقسوة والتمرد؛ لبيان أن المتكبر لا يمكن أن يكون باراً، وأن العاصي لوالديه متلبس بجبروت ممقوت.
التوازن النظمي الصوتي: مجيء «عَصِيًّا» على وزن فواصل السورة المتقاربة يمنح النظم وقعاً إيقاعياً يرسخ المعنى في الوجدان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يقرر هذا النص القرآني أن بر الوالدين هو برهان صدق التقوى والإيمان؛ فمن ضيع والديه الشيخين الضعيفين فلا خير فيه لسائر الناس ولو ادعى الصلاح والعبادة.
كما يحذر من آفة «الجبروت والعصيان»؛ فإن الله تعالى لا يحب المتكبرين، ومن بطش بالضعفاء أو ترفع على الخلق سلبه الله حلاوة الإيمان وحرمه من نفحات التوفيق.