يعلن إبراهيم عليه السلام مفاصلته التامة لأبيه وقومه ولمعبوداتهم الباطلة؛ فيقرر اعتزالهم بأبدانه ودينه، مهاجراً إلى ربه تاركاً أوثانهم التي يعبدونها ويستغيثون بها من دون الله، متوجهاً بكليته إلى عبادة ربه ودعائه وحده لا شريك له، راجياً ألا يخيب في دعائه ورجائه بل يسعد بإجابة ربه وكرامته.
روى الطبري (ج 15، ص 537)مصدر غير محدد١٥/٥٣٧ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}: «أي أتنحى عنكم وأفارقكم وأتبرأ من آلهتكم وأصنامكم التي تعبدونها». وقوله: {عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}: «أي عسى أن يسعدني ربي بإجابته وقبوله، وعسى من الله واجبة متحققة؛ فلم يكن بدعاء ربه شقياً بل استجاب الله له وبارك فيه وفي ذريته».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 237)مصدر غير محدد٥/٢٣٧ أن إبراهيم عليه السلام لما يئس من إيمان أبيه وقومه بعد إقامة الحجة عليهم وتهديدهم له، هاجر من أرض بابل بالعراق إلى الشام والأرض المقدسة ومكة، محققاً البراءة الكاملة من الشرك وأهله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَعْتَزِلُكُمْ»: الاعتزال المفارقة والتنحي بالبدن والقلب؛ يقال: اعتزل الشيء إذا فارقه وتنحى عنه جانباً.
«تَدْعُونَ»: الدعاء هنا يتضمن دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ فإن عبادة الأصنام كانت تتضمن استغاثتهم بها ودعاءهم لها.
«عَسَىٰ»: فعل رجاء جامد، و«عسى» من العبد رجاء وطمع مشوب بالوجل، و«عسى» من الله تحقيق ويقين.
«شَقِيًّا»: محروماً خائباً من الإجابة والرحمة.
الإعراب:
«وَأَعْتَزِلُكُمْ»: الواو عاطفة، أعتزل فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
«وَمَا تَدْعُونَ»: الواو عاطفة، ما اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على الكاف؛ أي وأعتزل الذي تعبدونه، تدعون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
«وَأَدْعُو رَبِّي»: الواو عاطفة، أدعو فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر، وربي مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، والياء مضاف إليه.
«عَسَىٰ»: فعل ماض جامد للرجاء مبني على الفتح المقدر.
«أَلَّا أَكُونَ»: أن حرف مصدري ونصب، لا نافية، أكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن واسمها مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول في محل رفع فاعل عسى أو اسمها.
«بِدُعَاءِ»: جار ومجرور متعلق بـ (شقياً).
«رَبِّي»: مضاف إليه والياء مضاف إليه.
«شَقِيًّا»: خبر أكون منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا التناظر النظمي في سورة مريم!
زكريا عليه السلام قال في الآية (4): {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}.
وإبراهيم عليه السلام يقول هنا في الآية (48): {عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}.
وكلاهما واجه انقطاع الأسباب والوحدة والشيخوخة والابتلاء، فعلقا قلوبهما ببركة الدعاء والتجرد لله؛ فكان الجزاء في الموضعين هبة الذرية الصالحة المعجزة من عند الله؛ يحيى لزكريا، وإسحاق ويعقوب لإبراهيم!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق فقه المفاصلة والهجرة عند تعذر إقامة الدين:
يقرر القرآن أصلاً عقدياً ودعوياً عظيماً: وهو أن الداعية إذا بذل وسعه في النصيحة وقابله القوم بالعناد والتهديد بالفتك ولم يستطع إقامة دينه، وجب عليه اعتزال الباطل والمفاصلة التامة والهجرة إلى حيث يعبد الله بحرية وسلامة؛ فالمؤمن لا يساوم على عقيدته ولا يداهن المشركين في دينهم.
المقابلة بين المعبودين: قابل بين {مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} من الأصنام العاجزة الخرساء، وبين {رَبِّي} القادر السميع المجيب؛ لبيان الفارق الهائل بين من يعبد حجارة ميتة ومن يعبد رباً كريماً حفياً بعباده.
التعبير بـ «عَسَىٰ»: أدب نبوي رفيع يمزج بين الرجاء العظيم وحسن الظن بربه وبين التواضع والافتقار وعدم الإدلال على الله بالعمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص في نفس المؤمن حقيقة العوض الإلهي: «من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه»؛ فإبراهيم لما اعتزل أباه وعشيرته ووطنه لله، أبدله الله خيراً منهم وأقر عينه بالذرية المباركة.
ويعلمنا ملازمة الدعاء وعدم اليأس من رحمة الله؛ فالدعاء الصادق مفتاح الفرج وسلاح المستضعفين وعماد العبادة.