وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
يصور الله تعالى في هذه الآية المشهد الأخروي الرهيب، حيث يقف كل إنسان بمفرده بين يدي ربه لا ولد يسانده، ولا عشيرة تحميه، ولا مال يفتديه؛ قال الطبري في جامع البيان (18/262)مصدر غير محدد١٨/٢٦٢: «يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين أحصاهم وعدهم عداً من أهل السماوات والأرض، يأتيه يوم القيامة منفرداً وحيداً، ليس معه ناصر ينصره من الله، ولا دافع يدفع عنه عذابه إن عذبه، ولا مال يفتدي به، ولا عشيرة تجيره». وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} قال: «لا مال له ولا ولد ولا عشيرة، ليس معه إلا عمله». وفي الصحيحين (البخاري رقم 1417، ومسلم رقم 1016) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». وقال ابن كثير في تفسيره (5/263)مصدر غير محدد٥/٢٦٣: «أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتسلسل الآيات في هذا المقطع تسلسلاً إحكامياً مبهراً؛ فبعد تقرير العبودية العامة لجميع الخلائق {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا}، وإثبات إحاطة العلم والإحصاء {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا}، جاءت هذه الآية لتحدد كيفية المجيء والحساب: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}. وهذا التناسب يقطع حبال التواكل والغرور؛ فالذين استكبروا في الدنيا بأموالهم وأولادهم وعشائرهم، وتحدوا الرسل بالجموع والأحلاف، سيجردون من كل تلك المظاهر، ليقفوا أمام القضاء الإلهي مجردين فرادى، لا حجاب ولا ترجمان.