يقرر الله جل وعلا حكماً إلهياً عاماً قاطعاً وقضاءً مبرماً محتوماً على سائر الخلق والمكلفين؛ فما من أحد منكم من بر ولا فاجر، مؤمن ولا كافر، إلا وهو وارد على جهنم ومارٌّ عليها؛ وكان هذا الورود أمراً واجباً محتوماً مقضياً في سابق علم الله وقدره لا بد من وقوعه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 580)مصدر غير محدد١٥/٥٨٠ عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم في تفسير «الورود»:
روى بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} فقال: «هو الجواز على الصراط؛ والصراط جسر مضروب على متن جهنم، يمر الناس عليه؛ فناجٍ مسلَّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم».
وروى بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الوُرُودُ الدُّخُولُ؛ لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلاَمًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا» (رواه أحمد في المسند رقم 14498، والحاكم في المستدرك).
وروى مسلم في صحيحه (رقم 2496)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٩٦ عن أم مبشر رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ رضي الله عنها: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}؟! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَسْمَعِيهِ يَقُولُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}؟!».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 250)مصدر غير محدد٥/٢٥٠ أن الحتم المقضي هو القسم والقضاء المبرم الذي كتبه الله وأوجبه على نفسه بحكمته ومشيئته؛ فثبت أن الورود حتم على جميع الخلائق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَإِن مِّنكُمْ»: «إن» نافية بمعنى ما؛ أي: وما منكم من أحد.
«وَارِدُهَا»: الورود في أصل اللغة هو الإتيان والمجيء إلى الماء أو المكان للنهل منه والمرور عليه؛ يقال: ورد الماء إذا بلغه ووافاه سواء شرب منه أو غاص فيه أو جاوزه؛ واستعمل هنا في العبور على جهنم أو دخولها دون أن تصيبهم بحرها.
«حَتْمًا»: الحتم هو الإيجاب والقضاء الذي لا يقبل النقض والفسخ؛ حتم الأمر إذا أوجبه وأمضاه.
«مَّقْضِيًّا»: محكوماً به في اللوح المحفوظ مفرغاً منه.
الإعراب:
«وَإِن»: الواو استئنافية، إن نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
«مِّنكُمْ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ أو متعلق بمحذوف حال من المبتدأ المؤخر.
«إِلَّا»: أداة حصر.
«وَارِدُهَا»: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وها مضاف إليه؛ أو اسم إن وخبرها منكم؛ والمصدر (وارد) اسم فاعل مضاف لمفعوله.
«كَانَ»: فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الورود.
«عَلَىٰ رَبِّكَ»: جار ومجرور متعلق بـ (حتماً) أو بمحذوف حال، والكاف مضاف إليه.
«حَتْمًا»: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
«مَّقْضِيًّا»: نعت لـ (حتماً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل قمة الروع والمهابة العظمى في القرآن؛ فبعد أن تحدث عن الشياطين ورؤساء الكفر، واجه المكلفين جميعاً (منكم) بالحقيقة الحتمية التي لا ينجو منها أحد: المرور على ساحة العذاب وموضع القصاص الكوني الأكبر.
وتذييل الآية بـ {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} يقطع حبال التسويف والتمني؛ فالأمر ليس احتمالأ بل هو حتم مبرم جفت به الأقلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
بؤرة التحقيق الكبرى: هل الورود دخول أم مرور على الصراط؟:
اختلف السلف في معنى «الورود» على قولين عظيمين محررين:
القول الأول (جمهور السلف والمحققين كابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار والقرطبي وابن كثير): أن الورود هو «المرور على متن الصراط» المضروب على شفير جهنم؛ فالصراط دحض مزلة فوق متن النار، ولا طريق إلى الجنة إلا بالمرور عليه؛ فالكل يَرِدُهُ ماراً فوقه، فيمر المؤمنون كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، ويسقط الكافرون في قعرها.
القول الثاني (جابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وقتادة): أن الورود هو «الدخول الحقيقي» لساحة النار، ولكنها تكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، فلا تصيبهم بأدنى أذى، بل يشهدون عذاب الكفار ليشتد شكرهم لله على النعمة والنجاة.
والمحاكمة والجمع بين القولين: أن القولين يلتقيان في النتيجة الحتمية؛ وهي أن النار يشهدها الجميع ويَرِدُ ساحتها كل مؤمن وكافر، ولكن المؤمنين معصومون بفضل الله وتقواهم من عذابها، إما بالمرور السريع الخاطف فوق الصراط، وإما بكونها برداً وسلاماً عليهم عند دخول ساحتها، ثم يُنجي الله الذين اتقوا.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِن... إِلَّا}: نفي واستثناء يفيد الحصر والشمول المطلق؛ فلا أحد يستثنى من هذا الموقف، ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو صالحاً.
التوكيد بالترادف في «حَتْمًا مَّقْضِيًّا»: إبراز لصلابة القرار الإلهي وثبوته الأزلي؛ لتجتمع القلوب على الخوف والاستعداد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص وجلاً عظيماً في قلوب العارفين؛ فها هو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يبكي حين تلا هذه الآية في غزوة مؤتة، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «أعلم أني واردها، ولا أدري أنجو منها أم لا!».
فالواجب على كل مؤمن ألا يغتر بعمله، بل يجمع بين الرجاء العظيم والخوف الشديد، ويسأل ربه النجاة والتثبيت عند المرور على الصراط.