يخاطب الله تعالى هؤلاء المفترين الكافرين بالتقريع والتوبيخ والتعنيف الصارم: لقد جئتم بقول منكر فظيع عظيم الشناعة، وأتيتم بجرم تقشعر منه الأبدان وتضيق به السماوات والأرض.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 613)مصدر غير محدد١٥/٦١٣ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} قال: «أي عظيماً؛ أمراً فظيعاً منكراً شنيعاً». وروى عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي قالوا: «الإدّ: هو العظيم منكر الفظاعة في كلام العرب؛ يقال: أدّتْ فلاناً داهيةٌ تؤُدُّه إدّاً إذا نزلت به مصيبة عظيمة فظيعة لا يُقادر قدرها».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 257)مصدر غير محدد٥/٢٥٧ أن «الإدّ» هو الداهية العظمى والأمر الهائل الشنيع المجاوز لكل حد في النكارة والقبح؛ فما نطق بشر بكلمة أشنع ولا أظلم من نسبة الولد إلى رب العالمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«إِدًّا»: الإدّ والإدّة (بكسر الهمزة وتشديد الدال) في لغة العرب: الأمر المنكر العظيم والداهية الدهياء والخطب الجلل؛ يقال: جاء بأمر إدّ إذا جاء بأمر عظيم من الشر تقشعر منه النفوس؛ ومنه قول الراجز: «قد لَقِيَتْ حَمِيرُ مِنِّي إِدًّا ... دَاهِيَةً دَهْيَاءَ تَئِدُّ صَخْدَا».
الإعراب:
«لَّقَدْ»: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق وتوكيد.
«جِئْتُمْ»: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير التاء، والتاء فاعل والميم للجمع.
«شَيْئًا»: مفعول به لـ (جئتم) منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أو مفعول مطلق نائب عن المصدر؛ أي مجيئاً أو قولاً.
«إِدًّا»: نعت لـ (شيئاً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يواجه الفرية بالصدمة المباشرة؛ فلم يتدرج في الرد بل فاجأهم بتقرير هول الجريمة: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا}.
والالتفات البلاغي من صيغة الغيبة {وَقَالُوا} إلى صيغة الخطاب المباشر المقرّع {لَّقَدْ جِئْتُمْ} يصب جام الغضب الإلهي في وجوههم مباشرة؛ ليكون أبلغ في التوبيخ وإسقاط الكبرياء والردع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة تساهل الناس في الكلمة وبيان خطورة الكفر اللفظي:
يتساهل بعض الجهلة في الكلمات فيقولون: «هذه مجرد كلمات وألفاظ وتقاليد دينية»!
والقرآن الكريم يحاكم هذا التمييع الفاسد: إن الكلمة قد تكون أعظم داهية في الوجود؛ فبكلمة التوحيد يدخل العبد الجنة، وبكلمة الشرك يهوي في قعر الجحيم سبعين خريفاً؛ فقولهم «اتخذ الرحمن ولداً» ليست كلمة عابرة، بل هي «شيء إدّ» تهتز له أركان الوجود وتضطرب له كائنات الكون طراً.
التوكيد بالقسم وقد في {لَّقَدْ}: لتقرير فظاعة الجرم وتحققه في ميزان العدل الإلهي.
التنكير في «شَيْئًا إِدًّا»: للتهويل وتفخيم الشناعة؛ أي شيئاً لا يوصف هوله ولا يدرك قعره من الفظاعة والقبح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المسلم على استعظام المعاصي والكبائر ولا سيما كبائر الشرك والافتراء على الله؛ فالمؤمن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يراه كذباب مر على أنفه.
كما يعلمنا الصدع بالحق وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية: فالشرك داهية ومنكر وإدّ، ولا يجوز تلميعه أو تسميته بغير اسمه الحقيقي.