يخبر الله تعالى عما آل إليه أمر أهل الكتاب بعد رفع عيسى عليه السلام؛ حيث تفرقت طوائفهم وأحزابهم واختلفوا فيه اختلافاً منكراً: فاليهود كفروا به ورموه بالسحر والفاحشة، والنصارى تفرقوا فيه إلى فرق ضالة فمنهم من قال هو الله، ومنهم من قال هو ابن الله، ومنهم من قال هو ثالث ثلاثة؛ فتوعد الله هؤلاء الكافرين الجاحدين بالويل والهلاك والعذاب الشديد حين يشهدون أهوال يوم القيامة العظيم.
روى الطبري (ج 15، ص 517)مصدر غير محدد١٥/٥١٧ عن قتادة ومجاهد وابن زيد والسدي في قوله: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} قالوا: «هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، تحزبوا وتفرقوا فيه طوائف؛ فقالت اليهود: هو ساحر كذاب وابن زنا، وقالت طائفة من النصارى (الملكانية): هو ابن الله، وقالت طائفة (اليعقوبية): هو الله نزل ثم صعد، وقالت طائفة (النسطورية): هو ثالث ثلاثة، وقالت طائفة من المؤمنين الموحدين: هو عبد الله ورسوله».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 233)مصدر غير محدد٥/٢٣٣ في قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: «أي هلاك وحسرة وعذاب أليم للجاحدين للحق المكذبين بنبوة عيسى والغالين فيه، يوم يشهدون يوم القيامة ويرون أهواله وعظمته وحساب الله وعدله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«الْأَحْزَابُ»: جمع حِزب، والحزب هو الجماعة المنحازة إلى رأي أو مذهب معين تتعصب له وتناصر أهله؛ والمراد فرق أهل الكتاب وطوائفهم المتناحرة.
«فَوَيْلٌ»: كلمة تدل على الهلاك والدمار والعذاب الشديد والوعيد؛ وقيل: وادٍ في جهنم يسيل من صديد أهل النار.
«مَّشْهَدِ»: مصدر ميمي أو اسم زمان أو مكان من الشهود؛ أي من شهودهم ذلك اليوم، أو من مكان وزمان شهود الخلائق وحضورهم فيه.
الإعراب:
«فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ»: الفاء استئنافية أو عاطفة، اختلف فعل ماض مبني على الفتح، الأحزاب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«مِن بَيْنِهِمْ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الأحزاب؛ أي كائنين من بين أهل الكتاب أو من بين قوم عيسى.
«فَوَيْلٌ»: الفاء عاطفة أو رابطة للوعيد، ويل مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وسوغ الابتداء بالنكرة كونها دالة على الوعيد والدعاء بالهلاك.
«لِّلَّذِينَ كَفَرُوا»: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ في محل رفع، وجملة كفروا صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
«مِن مَّشْهَدِ»: جار ومجرور متعلق بـ (ويل) أو بمحذوف حال.
«يَوْمٍ»: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
«عَظِيمٍ»: نعت لـ (يوم) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التعقيب القرآني وأرهبه! فبعد أن قرر الحق الناصع بلسان عيسى ووحي السماء، بين أن الناس لم يستقيموا على هذا الحق، بل تمزقوا أحزاباً وتفرقوا شيعاً بسبب أهوائهم وعنادهم.
ورتب على هذا الاختلاف الكفري وعيداً صاعقاً: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا}؛ ليعلم أن التفرق في أصول التوحيد ليس مجرد وجهات نظر اجتهادية، بل هو كفر بواح يستوجب الويل والخلود في النار يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض دعوى صحة المذاهب المتناقضة تحت لافتة التعددية الدينية:
يدعو بعض المضللين المعاصرين إلى قبول عقائد التثليث والشرك باعتبارها طرقاً متعددة للرب، زاعمين أن كل فرقة على حق!
والقرآن الكريم يحكم بالفساد العقلي والشرعي على هذه الدعوى؛ فالحق واحد لا يتعدد، والله لا يرضى لعباده الكفر؛ فإما أن يكون عيسى عبداً لله، وإما أن يكون إلهاً أو ابناً أو شريكاً؛ واجتماع النقيضين محال في بديهة العقول؛ فلما حكم الله بالحق بأنه عبده ورسوله، صار كل من ادعى فيه الألوهية كافراً مشمولاً بالوعيد القاطع: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
البلاغة في التعبير بـ «الأَحْزَابُ»: إشعار بأنهم صاروا عصباً متناحرة تتبع أهواء الرؤساء والرهبان دون برهان، وتخندق كل حزب حول ضلالته.
التنكير والوصف في «مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ»: إبهام وتفخيم للأهوال؛ فشهود ذلك اليوم يخلع القلوب من هول ما يرى الكافر من الحساب والعدل والعذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يحذر هذا النص الأمة الإسلامية من آفة التفرق والتحزب في الدين؛ فالأمم السابقة لم تهلك إلا حين تركت الوحي الصافي واختلفت أحزاباً وشيعاً يكفر بعضها بعضاً.
كما يعمق في نفس المؤمن الخوف والوجل من «مشهد يوم عظيم»؛ فيستعد له بصالح العمل وتجريد التوحيد الخالص لله رب العالمين.