جاء الجواب الإلهي الفاصل قاطعاً لكل تساؤل؛ حيث أخبره الملك عن الله تعالى أن الأمر واقع لا محالة على النحو الذي قدره الله، وأن هذا الخلق الإعجازي هيّن يسير على الله العلي القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فالذي أوجدك يا زكريا من العدم المحض ولم تكن شيئاً مذكوراً، قادر بيقين على أن يخلق منك غلاماً في حال شيخوختك ويباسك.
روى الطبري (ج 15، ص 460)مصدر غير محدد١٥/٤٦٠ عن قتادة قال: «قال زكريا تعجباً: أنى يكون لي غلام وقد بلغت من الكبر عتياً، فقال الله: كذلك قال ربك هو عليّ هين، فدله على خلقه إياه من قبل ولم يك شيئاً ليتبين له هوان ذلك على الله».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 216)مصدر غير محدد٥/٢١٦ عن مجاهد قال: «أي خلقك ولم تك شيئاً موجوداً، فالإعادة أو إيجاد الولد من والدين هرمين أهون في قياس عقولكم من الابتداء من العدم المحض؛ والكل عند الله هين يسير بكلمة كُن فيكون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«كَذَٰلِكَ»: الكاف حرف تشبيه، وذلك اسم إشارة؛ أي: الأمر والوعد كائن كذلك كما أخبرتك لا يتبدل.
«هَيِّنٌ»: الهين هو السهل الخفيف الذي لا كلفة فيه ولا مشقة ولا مغالبة؛ يقال: هان الشيء يهون فهو هين وهين (بالتخفيف والتشديد).
«شَيْئًا»: الشيء هو الموجود الثابت؛ والمعنى: لم تك شيئاً موجوداً ولا متقرراً بل كنت عدماً صرفاً.
الإعراب والقراءات:
«قَالَ كَذَٰلِكَ»: قال فعل ماض والفاعل مستتر (جبريل عليه السلام أو الله تعالى بالوحي)، كذلك جار ومجرور في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
«قَالَ رَبُّكَ»: فعل وفاعل.
«هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ»: هو مبتدأ ضمير منفصل، علي جار ومجرور متعلق بـ (هين)، هين خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة مقول القول.
«وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ»: الواو حالية أو عاطفة، قد حرف تحقيق، خلقتك فعل وفاعل ومفعول به، من قبل جار ومجرور مبني على الضم.
قراءة الجمهور: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ} بضم التاء على إسناد الفعل لله تعالى وهو المطابق لضمير المتكلم في {عَلَيَّ}. وقرأ حمزة والكسائي: {وَقَدْ خَلَقْنَاكَ} بنون العظمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يقوم على أعظم درجات الاستدلال العقلي والبياني؛ حيث نقل العقل البشري من استبعاد الخلق في حالة الشيخوخة إلى حقيقة أعظم وأبعد غورا في الإعجاز وهي: الخلق من العدم المطلق.
فإذا كانت النشأة الأولى التي بدأت من لا شيء هيّنة على الله، فكيف يستبعد العقل إيجاد فرع من أصل موجود ومادة قائمة؟! وهذا النظم يبدد كل شك ويثبت سعة القدرة الإلهية المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة المنطق المادي ودحض شبهة الاستحالة:
تقع الفلسفات المادية دائماً في خطأ محاكمة أفعال الخالق بمقاييس المخلوقين؛ فيرون أن انقطاع الحيض والشيخوخة يجعل الإنجاب مستحيلاً.
والقرآن يقدم المحاكمة العقلية الصارمة: إن القوانين الطبيعية ليست حاكمة على الله، بل الله هو الذي وضعها وهو قادر على خرقها أو تعطيلها متى شاء. وقياس العاجز على القادر المطلق قياس باطل؛ فالأمر كله بالنسبة لله هيّن: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
{وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}: استدلال بالأصل الأعظم على الفرع الأيسر؛ فالإيجاد من العدم أصعب في مدارك البشر من إيجاد شيء من أصل، والكل أمام طلاقة القدرة الإلهية سواء.
حذف نون «تَكُ» للتخفيف: تناسب بديع مع خفة الأمر وهوانه، وتناسب مع العدم والضآلة الموصوفة؛ فكأن الحرف تلاشى كما تلاشى الشيء من قبل الوجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا التوجيه يقيناً راسخاً في قلب المؤمن بأن كل مستحيل في نظر الخلق هو على الله هيّن؛ شفاء المرض الميؤوس منه، تبديد الكرب العظيم، هداية القلب الشارد، ونصرة المستضعفين؛ كلها أمور هيّنة على رب العالمين.
كما يربي العبد على التواضع التام واستشعار أصله؛ فكلما نازعه الكبر تذكر قوله تعالى: {وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}، فترتد نفسه إلى أصلها من الفقر والعدم المحض وتخبت لخالقها.