حين دنت ساعة الولادة فاجأتها آلام الطلق والولادة الشديدة، وألجأتها تلك الأوجاع المبرحة إلى الاستناد إلى جذع نخلة يابسة لتتكئ عليها، وفي تلك اللحظة القاسية التي اجتمعت عليها فيها آلام الجسد بالطلق وآلام النفس بالخوف من الفضيحة وتكذيب بني إسرائيل، تمنت الموت من شدة الكرب، متمنية لو كانت شيئاً تافهاً حقيراً لا يذكره أحد.
روى الطبري (ج 15، ص 487)مصدر غير محدد١٥/٤٨٧ عن ابن عباس في قوله: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ}: «أي اضطرها وألجأها وجع الولادة إلى جذع النخلة». وعن قتادة ومجاهد والضحاك في قوله: {وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} قالوا: «النسي: الشيء المنسي المتروك الذي لا يُعبأ به ولا يُذكر؛ كالحيضة الملقاة، أو الخرقة المطروحة، أو السقط».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 225)مصدر غير محدد٥/٢٢٥ عن السلف أن مريم عليها السلام لم تتمنَّ الموت جزعاً من ألم الولادة ولا تسخطاً على قضاء الله، وإنما تمنته حياءً وعفة وخوفاً على دين الناس أن يفتتنوا بها، وخوفاً من أن يُنسب إليها الفجور وتُرمى بهتاناً وهي البريئة العابدة القانتة، فيعصي الناس ربهم بتكفيرها والطعن في شرفها وتكذيب نبي الله عيسى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَأَجَاءَهَا»: أصله من (جاء)، وأجاءه يُجِيئُه إجاءة: نقله وألجأه واضطره إليه؛ قال زهير بن أبي سلمى: «وجارٍ سارَ مُعْتَمِداً إِلَيْكُمْ ... أَجَاءَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاءُ»؛ أي اضطرته وألجأته.
«الْمَخَاضُ»: وجع الولادة والطلق الشديد عند وضع الحمل؛ يقال: مَخِضَتِ المرأة تمخَضُ مخاضاً ومِخاضاً.
«جِذْعِ النَّخْلَةِ»: ساق النخلة وأصلها، وأل هنا لتعريف الجنس أو لتعيين نخلة معهودة يابسة في ذلك الوادي.
«نَسْيًا»: بفتح النون وقرئ بكسرها (نِسْياً)، وهو كل شيء حقه أن يُنسى ويُهمل ولا يُلتفت إليه لهوانه وحقارته؛ كعصا الراعي الساقطة أو خيوط الثياب البالية.
«مَّنسِيًّا»: اسم مفعول من النسيان للمبالغة في خفاء الذكر وزواله التام من القلوب والأسماع.
الإعراب والقراءات:
«فَأَجَاءَهَا»: الفاء عاطفة، أجاء فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
«الْمَخَاضُ»: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ»: جار ومجرور متعلق بـ (أجاء)، والنخلة مضاف إليه مجرور.
«قَالَتْ»: فعل ماض والفاعل مستتر والتاء للتأنيث.
«يَا لَيْتَنِي»: يا حرف نداء والمنادى محذوف للتحسر والتلهف، أو حرف تنبيه، ليت حرف تمنٍّ ونصب، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
«مِتُّ»: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل (وقرئ مِتُّ بكسر الميم وهي قراءة نافع وحمزة والكسائي، وقرئ مَتُّ بضم الميم وهي قراءة عاصم وابن كثير وأبي عمرو)، والتاء فاعل، والجملة في محل رفع خبر ليت.
«قَبْلَ هَٰذَا»: قبل ظرف زمان منصوب متعلق بـ (مت)، وهذا اسم إشارة في محل جر مضاف إليه.
«وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا»: الواو عاطفة، كنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها، نسياً خبر كان منصوب (قرأ الجمهور نَسْياً بفتح النون، وقرأ حمزة وحفص والأعمش نِسْياً بكسر النون وهما لغتان كالوَتر والوِتر)، منسياً نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني الفريد ينفذ إلى أعمق نوازع النفس البشرية المعذبة في أصدق لحظات الضعف الإنساني؛ فمريم الصديقة التي اختارها الله وفضلها على نساء العالمين ليست تمثالاً من حجر، بل هي أنثى عذراء شابة تواجه آلام المخاض وحيدة في فلاة دون قابلة ولا معين، وتواجه العار الاجتماعي المحدق الذي ينتظرها عند قومها.
ونداؤها التمني {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا} هو صرخة العفاف المتألمة التي تفضل الموت والفناء المحض على أن يمس شرفها أدنى خدش أو يُظن بها فجور؛ وهذا يرفع منزلتها ويبين صدق طويتها ونقاء سريرتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تمني الموت وبيان فقه المسألة:
استشكل بعض الناس قول مريم: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا}، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين قوله: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ».
والمحاكمة الفقهية والعقدية تجيب عن هذا الإشكال من وجوه:
أن النهي عن تمني الموت محمول على الضرر الدنيوي كمرض أو فقر أو ضيق عيش؛ أما إذا خاف العبد الفتنة في دينه، أو خاف أن يرتكب الناس بسببه كفراً وتكذيباً وطعناً في حرمات الله، فيجوز له تمني الموت والشهادة سلامة للدين؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه المأثور: «وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» (رواه الترمذي وصححه).
أن مريم عليها السلام علمت أن ولادتها لغلام من غير زوج ستكون أعظم فتنة لبني إسرائيل، وسيقولون فيها الفاحشة، فيكفرون بالطعن فيها وبتكذيب ابنها، فكرهت أن تكون سبباً في ضلال أمة وفتنتها، فتمنت الموت صيانة للدين وليس تسخطاً على ألم الجسد.
وقد خرج هذا الكلام منها في لحظة اضطرار وذهول غلب فيه الوجع البشري، والله تعالى رحيم بعباده عند عظم الشدائد.
البلاغة في التعبير بـ «أَجَاءَهَا»: لم يقل «فجاءها المخاض»، بل قال: {فَأَجَاءَهَا} بالهمزة؛ للدلالة على قوة الإلجاء والاضطرار القهري؛ فالوجع هو الذي قادها وساقها قسراً إلى الجذع لتتكئ عليه، وتلك صورة حسية بالغة الدقة.
التوكيد بالوصف في «نَسْيًا مَّنسِيًّا»: جمع بين المصدر واسم المفعول للدلالة على استغراق النسيان ومحو الذكر من الوجود؛ لبيان شدة فرارها من الفضيحة وعظم حبها للخفاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص بلسماً شافياً على قلوب المؤمنين والمؤمنات حين تضيق بهم السبل وتستحكم عليهم الكروب؛ فها هي الصديقة التقية تمنت الموت من شدة البلاء، فكان من وراء ذلك البلاء ميلاد المسيح ونصرة دين الله ورفعة ذكرها في العالمين إلى يوم القيامة.
فليعلم كل مبتلى أن ما بعد الشدة إلا الفرج، وأن أشد ساعات الليل ظلمة هي الساعة التي يتلوها انبثاق الفجر الصادق، فلا ييأس عبد من روح الله ورحمته.