يسقط الله تبارك وتعالى دعوى هذا الكافر بأسلوب التقسيم والمحاكمة العقلية الصارمة؛ فيسأله مستنكراً ومبكتاً: أبلغ هذا الكافر علم الغيب المحجوب عن الخلائق حتى علم ورأى أنه سيؤتى مالاً وولداً في الآخرة؟! أم أخذ من الله الرحمن الرحيم ميثاقاً وعهداً وعهدة بأنه سيدخله الجنة ويكرمه فيها؟! وكلا الأمرين منتفٍ باطل، فبطلت دعواه وسقطت سخريته.
روى الطبري (ج 15، ص 596)مصدر غير محدد١٥/٥٩٦ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا} قال: «العهد: لا إله إلا الله، وتوحيد الله والعمل بطاعته؛ هل قال لا إله إلا الله ورجا بها المغفرة والجنة؟ كلا بل كفر بالله ورسوله».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 253)مصدر غير محدد٥/٢٥٣ عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: «قسم الله دعواه إلى قسمين لا ثالث لهما: إما أن يكون صعد إلى السماء فاطّلع على اللوح المحفوظ وعلم الغيب فرأى ما ادعاه لنفسه، وهذا محال؛ وإما أن يكون قد عمل صالحاً واتخذ عند الله عهداً بالإيمان والتقوى، وهذا منتفٍ بكفره وشركه؛ فظهر كذبه وبطلان افترائه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَطَّلَعَ»: همزة الاستفهام دخلت على همزة الوصل من الفعل (اطّلع) فحذفت همزة الوصل وبقيت همزة الاستفهام مفتوحة؛ والاطلاع البلوغ والنظر إلى الشيء من علو؛ يقال: اطّلع على الأمر إذا أشرف عليه وعلم باطنه وخفاياه.
«الْغَيْبَ»: ما غاب عن حواس الخلق وعلمهم وانفرد الله بعلمه.
«عَهْدًا»: العهد الميثاق المؤكد؛ وهو هنا شهادة التوحيد والإيمان والعمل الصالح؛ لأن الله عهد للمؤمنين بالجنة، ولم يعهد للكافرين إلا بالنار.
الإعراب:
«أَطَّلَعَ»: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، اطّلع فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على العاص بن وائل (الذي كفر).
«الْغَيْبَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«أَمِ»: حرف عطف وهي «أم» المنقطعة التي تفيد معنى الإضراب المقترن بالاستفهام الإنكاري؛ أو متصلة معادلة لهمزة الاستفهام.
«اتَّخَذَ»: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
«عِندَ الرَّحْمَٰنِ»: عند ظرف مكان منصوب متعلق بـ (اتخذ) أو بمحذوف حال من عهداً، الرحمن مضاف إليه مجرور.
«عَهْدًا»: مفعول به لـ (اتخذ) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يقوم على منهج «السبر والتقسيم العقلي الحاصر»؛ فالإنسان لا يمكنه الجزم بنيل ثواب الآخرة إلا بأحد طريقين لا ثالث لهما:
كشف غيبي مباشر واطلاع على مقادير السماء: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ}.
عهد وميثاق إلهي شرعي ناله بالإيمان والعمل الصالح: {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا}.
ولما كان الطريق الأول مستحيلاً على البشر، والطريق الثاني مفقوداً بكفره وشركه؛ ثبت بالعقل والشرع أن كلامه محض هراء وكذب وافتراء يستوجب مقت الجبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى «العهد عند الرحمن» ودحض الاغترار بالأماني الجوفاء:
يحسم هذا النص حقيقة العهد الإلهي: إن العهد مع الله ليس وثيقة ورقية، بل هو «التوحيد الخالص» كما قال ابن عباس: «عهد الله: شهادة أن لا إله إلا الله، والعمل بطاعته».
فمن لقي الله موحداً متبعاً لرسله فله عند الله عهد بالنجاة والجنة، ومن لقيه مشركاً أو كافراً فلا عهد له عند الله بل هو مستحق للخلود في الجحيم، وبطلت أماني أهل الكتاب والمشركين الذين قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}.
البلاغة في الحذف الصوتي الإعجازي: حذف همزة الوصل عند دخول همزة الاستفهام في {أَطَّلَعَ}؛ لتلتقي خفة اللفظ مع حدة الإنكار والتبكيت.
التوسل باسم «الرَّحْمَٰنِ»: {عِندَ الرَّحْمَٰنِ} إشارة إلى أن رحمة الرحمن واسعة للمؤمنين الذين عاهدوه بالتوحيد، ومحرمة على المعاندين الساخرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المسلم على عدم التجرؤ على الغيب ولا التألي على الله؛ فلا يجوز لأحد أن يقطع لنفسه أو لغيره بالجنة أو النار إلا بما قطعت به نصوص الوحي الصريحة.
كما يعلمنا أن الضمانة الحقيقية للنجاة في الآخرة هي الاستمساك بعهد التوحيد والعمل الصالح؛ فمن وفي لله بعهده وفى الله له بجنته ورضوانه.