إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا
بعد أن ذكر الله أحوال المشركين وتهديدهم بالانفراد والحساب، عطف بذكر مآل أهل الإيمان والعمل الصالح، فبشرهم بهذا الوعد الإلهي العظيم؛ قال الطبري في جامع البيان (18/264)مصدر غير محدد١٨/٢٦٤: «يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بوحدانية الله، وعملوا بما أمرهم به من فرائضه، سيجعل لهم الرحمن في قلوب عباده المؤمنين محبة ومودة في الدنيا والآخرة». وأخرج البخاري في صحيحه (رقم 3209)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٠٩ ومسلم (رقم 2637)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٣٧ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} قال: «إي والله في قلوب أهل الإيمان، ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم». وقال ابن كثير في تفسيره (5/264)مصدر غير محدد٥/٢٦٤: «يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله لمتابعتها الشريعة، يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه». وقال السعدي في تفسيره (ص 501)مصدر غير محدد٥٠١: «هذا من لطفه بعباده المؤمنين، فإنه يحبهم ويوضع لهم المحبة في قلوب ملائكته وأنبيائه وأوليائه الصالحين، وإذا أحبهم أولياؤه تيسرت لهم أسباب السعادة، ودعوا لهم بظهر الغيب، وحصل لهم الثناء الحسن والذكر الجميل في الدنيا والآخرة».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الانتقال البديع من ترهيب المشركين وبيان خسرانهم وانفرادهم في العذاب {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}، إلى ترغيب المؤمنين وبيان منزلتهم الشريفة، هو من سنن القرآن الكريم في مقابلة الوعد بالوعيد. وموقع الآية في سياق سورة مريم دقيق للغاية؛ فقد افتتحت السورة بذكر رحمة الله بزكريا ويحيى ومريم وعيسى وإبراهيم والأنبياء الذين نالوا محبة الله وذكره الجميل، ثم توعد المشركين الذين عادوا أولياء الله، فجاءت هذه الآية لتؤكد لكل مؤمن سار على نهج أولئك الأنبياء أن له نصيباً من تلك المحبة الإلهية والقبول القلبي الذي لا تبدده عداوة المبطلين.