يبطل الله تعالى كل أوهام المشركين في شفاعة أصنامهم وآلهتهم المزعومة؛ فلا يملك أحد في ذلك اليوم المهيب الشفاعة لأحد، لا الآلهة ولا الشركاء، ولا يشفع أحد إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان الخالص والتوحيد وأذن له الرحمن ورضي له قولاً.
روى الطبري (ج 15، ص 610)مصدر غير محدد١٥/٦١٠ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا} قال: «العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يتبرأ من الحول والقوة إلا بالله، ولا يرجو إلا الله». وروى عن قتادة ومجاهد: «لا يشفع إلا مؤمن موحد، ولا يُشفع إلا لمؤمن موحد اتخذ عند الله عهداً بإخلاص الدين».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 256)مصدر غير محدد٥/٢٥٦ أن الشفاعة يوم القيامة ملك لله وحده لا يملكها أحد سواه، كما قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}، ولا يشفع شافع إلا بعد تحقق شرطين قطعيين:
إذن الله للشافع أن يشفع {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}.
رضاه عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد والعهد {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«لَّا يَمْلِكُونَ»: نفي للملكية والاستطاعة والسلطان؛ أي لا يقدرون على الشفاعة ولا يستحقونها.
«الشَّفَاعَةَ»: التوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر، من الشفع وهو جعل الفرد زوجاً.
«لَّا يَمْلِكُونَ»: لا نافية، يملكون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل يعود على الناس جميعاً أو على الآلهة والمجرمين.
«الشَّفَاعَةَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«إِلَّا»: أداة استثناء.
«مَنِ»: اسم موصول مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، في محل رفع بدل من الواو في (يملكون)؛ أي لا يملك الشفاعة أحدٌ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً فهو الذي يملك أن يَشفع أو يُشفع له؛ وقيل: في محل نصب على الاستثناء المتصل أو المنقطع.
«اتَّخَذَ»: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول.
«عِندَ الرَّحْمَٰنِ»: ظرف مكان متعلق بـ (اتخذ) أو بمحذوف حال من عهداً، الرحمن مضاف إليه مجرور.
«عَهْدًا»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يقطع آخر حبل يتعلق به المشرك في ساحة المحشر؛ فالمشرك كان يمني نفسه بأن آلهته أو كبراءه سيشفعون له عند الله ويدفعون عنه العذاب: {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ}، فجاءت الآية لتعلن نفي الشفاعة المطلق المستقل: {لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ}.
والاستثناء بـ {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا} يحصر الشفاعة في أهل التوحيد الخالص؛ فمن مات على الشرك فلا نصيب له في الشفاعة قط: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير شروط الشفاعة ودحض الشفاعة الشركية البدعية:
يعتقد المشركون والقبوريون أن الشفاعة عند الله كشفاعة ملوك الدنيا ووزرائهم؛ حيث يتقدم الشافع فيشفع رغماً عن الملك أو بوجاهته الذاتية ليقبل الملك شفاعته مضطراً!
والمحاكمة العقدية السلفية تسقط هذا الشرك المقيت: فالله تعالى مالك الملك وحده، لا يملك أحد عنده شفاعة ذاتية استقلالية، ولا يتقدم أحد بالشفاعة إلا بعد أن يأذن الله له، ولا يشفع إلا فيمن رضي الله عنه وهو أهل التوحيد والعهد؛ فالشفاعة فضل من الله وإكرام للشافع والمشفوع، وليست ضغطاً على المشيئة الإلهية وحاشا لله.
أسلوب الحصر والاستثناء بـ {لَّا... إِلَّا}: نفي عام مطبق يتبعه استثناء محكم؛ لإسقاط كل الشفاعات الباطلة وتثبيت شفاعة التوحيد الحقة.
التعبير بـ «عِندَ الرَّحْمَٰنِ»: إشعار بأن الشفاعة الحقيقية باب من أبواب رحمة الرحمن يفتحها لمن شاء من عباده الموحدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المسلم على تجريد التوحيد وإخلاص الدعاء لله وحده؛ فلا يطلب الشفاعة من الأموات والأوثان، بل يطلبها من مالك الشفاعة جل وعلا قائلاً: «اللهم شفّع فيّ نبيك، واللهم شفع فيّ القرآن والصيام».
والعهد الأعظم الذي ينبغي أن نحافظ عليه حتى الممات هو شهادة التوحيد: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»؛ فمن حققها صادقاً نال شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.