يأمرها الله تعالى بعد أن هيأ لها الطعام والشراب الرغيد أن تطعم من هذا الرطب الجني، وتشرب من هذا السريّ العذب، وتسكن نفسها وتطمئن ويفرح قلبها بطفلها وبرعاية ربها، فإن رأت أحداً من الإنس فسألها أو استنكر حملها فلتشر إليه إشارة مفهمة بأنها قد نذرت لله الرحمن صمتاً وإمساكاً عن كلام الآدميين، فلن تكلم أحداً من الإنس ذلك اليوم.
روى الطبري (ج 15، ص 496)مصدر غير محدد١٥/٤٩٦ عن أنس بن مالك وابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا}: «أي صمتاً، وكان الصوم في شريعتهم يشمل الإمساك عن الأكل والشرب والإمساك عن الكلام». وروى عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة قال: «كان صومهم في شريعتهم الصمت عن الكلام، فنسخ ذلك في شريعة الإسلام وجُعل الصوم إمساكاً عن الطعام والشراب والمفطرات مع حفظ اللسان عن الحرام».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 228)مصدر غير محدد٥/٢٢٨ عن مجاهد والسدي أن الحكمة في أمرها بالصمت هي صيانة كرامتها؛ لأنها لو قالت: «حملت به من غير زوج بنفخة الملك» لكذبوها وسخروا منها واتهموها بالسحر أو الفجور، فأمرها الله أن تصمت ليتولى هو سبحانه تبرئتها بآية خارقة قاطعة لا تدع مجالاً للمرية، وهي إنطاق الصبي الرضيع في المهد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَقَرِّي عَيْنًا»: قرة العين برودتها وسكونها واستقرارها بالسرور والفرح؛ مأخوذ من القَرّ وهو البرد؛ لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة محرقة؛ وقيل: من القرار وهو الثبات والاستقرار بعد الاضطراب.
«فَإِمَّا تَرَيِنَّ»: إن الشرطية أدغمت في ما الزائدة للتوكيد؛ وتَرَيِنّ أصله ترأيين فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الثقيلة.
«نَذَرْتُ»: النذر هو إيجاب المكلف على نفسه طاعة لله لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع.
«صَوْمًا»: الصوم في أصل اللغة هو الإمساك والكف عن الشيء؛ صامت الريح إذا ركدت، وصام الفرس إذا امتنع عن العلف، وصام الإنسان إذا أمسك عن الكلام؛ ومنه قول امرئ القيس: «خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ».
«إِنسِيًّا»: منسوب إلى الإنس؛ أي فرداً من بني آدم.
الإعراب:
«فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا»: الفاء فصيحة، كلي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل، واشربي معطوف، وقري معطوف، عيناً تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة محول عن الفاعل؛ أي لتقرَّ عينُكِ.
«فَإِمَّا تَرَيِنَّ»: الفاء استئنافية، إن شرطية، ما زائدة، ترين فعل مضارع مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والياء المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة.
«مِنَ الْبَشَرِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (أحداً).
«أَحَدًا»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«فَقُولِي»: الفاء رابطة لجواب الشرط، قولي فعل أمر والياء فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
«إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا»: إن واسمها، نذرت فعل وفاعل، للرحمن جار ومجرور متعلق بـ (نذرت)، صوماً مفعول به منصوب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة (إني نذرت...) في محل نصب مقول القول.
«فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا»: الفاء عاطفة لترتيب النتيجة، لن حرف نفي ونصب واستقبال، أكلم فعل مضارع منصوب والفاعل مستتر تقديره أنا، اليوم ظرف زمان منصوب، إنسياً مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي الحكيم يقطع أسباب الخوف ويهيئ مريم لمواجهة المجتمع بكامل الثبات؛ فبدأ بتأمين حاجات الجسد: {فَكُلِي وَاشْرَبِي}، ثم طمأنة الروح والنفس: {وَقَرِّي عَيْنًا}، ثم وضع الخطة الإعلامية والبيانية لمواجهة الجموع المتربصة: الصمت التام والإحالة إلى قضاء الرحمن.
والقول في {فَقُولِي}: إما أن يكون باللسان قبل الشروع في الصوم، أو بالإشارة المفهمة؛ لئلا يقع تناقض بين قولها وصومها عن الكلام؛ والأصح عند المحققين أنها قالت ذلك إشارة باليد والرأس كما فسرته الآية اللاحقة: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حكم صوم الصمت في الشريعة الإسلامية ونسخه:
قد يظن غافل أن صوم الصمت عن الكلام قربة مشروعة في ديننا استدلالاً بنذر مريم.
والمحاكمة الفقهية القطعية توضح أن هذا منسوخ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى البخاري في صحيحه (رقم 6704)مصدر غير محددحديث رقم ٦٧٠٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». فالصمت التام عن الكلام ليس عبادة في الإسلام، وإنما كان سائغاً في شريعة مريم لعلة خاصة لحمايتها وترك الحجة للرضيع لينطق بالحق.
إسناد النذر لاسم «الرَّحْمَٰنِ»: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ} استدعاء لمعاني الرحمة الربانية الحانية التي غمرتها في هذا المخاض، وتذكير للناس بأن هذه العبادة وهذا الصمت نابع من الخضوع لرب الرحمة الواسعة.
التنكير والعموم في «إِنسِيًّا»: نفي استغراقي يشمل كل فرد من البشر؛ فلا تفاوض ولا مجادلة مع الخائضين، بل تفويض تام لحكمة الله وتدبيره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا التوجيه الإلهي قاعدة عظيمة في إدارة الأزمات والفتن: «الصمت الحكيم عند طوفان الشائعات وسوء الظن»؛ فبعض المواقف لا يجدي فيها الكلام نفعاً، بل قد يزيد النار اشتعالاً، فإذا وثق المؤمن ببراءته وطهارته فليصمت ويفوض أمره إلى الله، وسيتكفل الله بإظهار براءته وإخراس المبطلين.
كما يعلمنا حفظ اللسان وصيانته عن فضول القول ولغو الحديث، والإقبال على ما ينفع البدن والروح من الحلال الطيب وشكر المنعم سبحانه.