يأمر الله تبارك وتعالى نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلو على الناس ويذكر في هذا القرآن المحكم خبر خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، إمام الحنفاء وأبي الأنبياء؛ فقد كان ملازماً للصدق العظيم مبالغاً في تصديق ربه وعهوده، مصطفىً بالنبوة والرسالة.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 524)مصدر غير محدد١٥/٥٢٤ عن قتادة ومجاهد وابن جريج في قوله: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} قالوا: «الصديق: هو الكثير الصدق الذي لا يكذب قط، المصدق بآيات الله ورسالاته، الباذل نفسه وماله وولده لربه؛ والنبي: المصطفى بالوحي والشريعة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 234)مصدر غير محدد٥/٢٣٤ أن الله تعالى لما ذكر قصة زكريا ويحيى ثم مريم وعيسى، وهم من سلالة إبراهيم الخليل، عطف بذكر أصلهم الأكبر إبراهيم عليه السلام؛ تنبيهاً لمشركي قريش الذين كانوا يدعون أنهم على ملة إبراهيم ويعظمونه، فبين الله لهم أن ملة إبراهيم هي التوحيد الخالص والبراءة من الأوثان ومحاجة المشركين بالرفق والبرهان، وليست ما هم عليه من عبادة الأصنام ونسبة الشركاء لله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ»: أمر بالتلاوة والبيان؛ وإبراهيم اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
«صِدِّيقًا»: صيغة مبالغة على وزن «فِعِّيل» من الصدق، وهو الذي تكرر منه الصدق ورسخ في أقواله وأفعاله وأحواله حتى غدا سجية ثابتة، والذي صدق بكل ما جاء من عند الله تصديقاً كاملاً لم يخالطه شك.
«نَّبِيًّا»: من النبوءة أو النبأ؛ نعت أو خبر ثانٍ يدل على رتبة الرسالة والاصطفاء.
الإعراب:
«وَاذْكُرْ»: الواو استئنافية، اذكر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«فِي الْكِتَابِ»: جار ومجرور متعلق بـ (اذكر) أو بمحذوف حال من إبراهيم.
«إِبْرَاهِيمَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة غير منون للعلمية والعجمة.
«إِنَّهُ»: إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والجملة تعليل للأمر بالذكر.
«كَانَ»: فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو.
«صِدِّيقًا»: خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
«نَّبِيًّا»: خبر ثانٍ لـ (كان) منصوب بالفتحة الظاهرة، أو نعت لـ (صديقاً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الانتقال من قصة المسيح إلى قصة الخليل إبراهيم يمثل براعة نظمية بالغة الدقة؛ فالمسيح عليه السلام كفر به قومه وغلوا فيه، وإبراهيم عليه السلام كفر به أبوه وقومه وجادلوه في التوحيد؛ فكان في ذكر جهاد إبراهيم وصبره على أذى أقرب الناس إليه (أبيه) تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قومه وعشيرته قريش وأبي لهب وأبي جهل.
وتقديم وصف «صِدِّيقًا» على «نَّبِيًّا» يبرز منزلة الصدّيقية؛ فالصديقية هي كمال التصديق والإخلاص، وهي الأرضية النفسية والروحية الشريفة التي تتنزل عليها رتبة النبوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الكذبات الثلاث المنسوبة لإبراهيم عليه السلام:
قد يثير ملحد أو جاهل شبهة: كيف يوصف إبراهيم بأنه {صِدِّيقًا} وقد ورد في الحديث الصحيح أنه قال: {إِنِّي سَقِيمٌ}، وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا}، وقال للملك الجبار عن سارة: «هي أختي»؟
والمحاكمة العقدية واللغوية تسقط هذه الشبهة:
أن تلك الكلمات الثلاث لم تكن كذباً حقيقياً منافياً للصدق، بل كانت من باب «المعاريض والتورية» الجائزة شرعاً لدفع شر الظالمين وإقامة الحجة الدامغة على المشركين؛ فقوله: «أختي» أي أختي في الإسلام؛ وقوله: «بل فعله كبيرهم» كان مسوقاً مساق الإلزام والتهكم لتبكيتهم ليعترفوا بعجز أصنامهم؛ وقوله: «إني سقيم» أي سقيم القلب مما يرى من شركهم، أو متوقع للمرض والموت.
والمعاريض ليست كذباً، وإبراهيم عليه السلام إنما قصد بها نصرة دين الله وحماية العرض وإبطال عبادة الأوثان؛ فكان في أعلى مراتب الصدّيقية واليقين.
صيغة المبالغة «صِدِّيقًا»: تدل على أن الصدق لم يكن خلقاً عارضاً، بل كان صفة ملازمة استغرقت حياته كلها: صدق اللسان، وصدق النية، وصدق العمل ببذل النفس للنار، وبذل الولد للذبح.
التنكير للتعظيم في «صِدِّيقًا نَّبِيًّا»: إشعار بعلو مقام الخليل عليه السلام وسمو مرتبته عند ربه جل وعلا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المؤمنين على خلق «الصدق» والتصديق المطلق بوحي الله؛ فالصدق هو جماع الفضائل ورأس الصالحات، ومن صدق مع الله رفعه الله إلى منازل الصديقين.
كما يعلم الداعية أن مصداقية الدعوة تبدأ من نزاهة الداعية وطهارة سيرته؛ فالمجتمع ينقاد للداعية الصدوق المبرأ من الكذب والتناقض والرياء.