ينتقل السياق القرآني إلى إدانة أعظم فرية وجريمة افتراها الضالون على الذات الإلهية؛ حيث قال مشركو العرب إن الملائكة بنات الله، وقالت النصارى إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود إن عزيراً ابن الله؛ فنسبوا لله الرحمن الرحيم الصاحبة والولد الشريك في ربوبيته وإلهيته، متجرئين على كبريائه وعظمته بغير علم ولا برهان.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 612)مصدر غير محدد١٥/٦١٢ عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا}: «هذا عام في كل من قال إن لله ولداً: من مشركي قريش الذين قالوا الملائكة بنات الله، ومن اليهود الذين قالوا عزير ابن الله، ومن النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله؛ فجمعهم الله في هذه المقالة الكافرة الشنيعة».
وروى البخاري في صحيحه (رقم 4974)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩٧٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَقَالُوا»: الواو استئنافية، والضمير يعود إلى طوائف المشركين وأهل الكتاب القائلين بهذه الفرية.
البلاغة في حكاية القول مجرداً: حكاه القرآن بأسلوب مباشر كاشف {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا}؛ تمهيداً لإنزال الصاعقة البيانية والرد الكوني المزلزل في الآيات التالية.
التنكير في «وَلَدًا»: لإفادة نفي أي نوع من أنواع التولد؛ حقيقياً كان أو تبنياً مدعى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص في نفس المؤمن غيرة عقدية شديدة على جناب التوحيد؛ فالمؤمن الصادق تحترق نفسه غضباً حين يسمع من ينسب لله صاحبة أو ولداً، ويصدع بالتنزيه والتسبيح: «سبحان الله، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد».
كما يحذر من مداهنة أصحاب عقائد التثليث والشرك أو مجاملتهم في باطلهم؛ فالأمر ليس مسألة خلافية هينة، بل هو أعظم افتراء على خالق الأكوان.