يرد الله تبارك وتعالى على مفاخرة المشركين بمقامهم وأنديتهم ببرهان التاريخ الصاعق؛ فكم أهلكنا ودمرنا قبل هؤلاء المشركين من أمم وقرون سابقة (كقوم عاد، وثمود، وقوم فرعون) كانوا أعظم منهم أموالاً، وأحسن منهم متاعاً وأثاثاً في بيوتهم، وأبهى منظراً وأجمل هيئة ورواءً في أعين الناظرين، فلما كذبوا الرسل لم يغنِ عنهم أثاثهم ولا حسن مناظرهم شيئاً من عذاب الله بل بادوا واندثروا كأن لم يكونوا.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 588)مصدر غير محدد١٥/٥٨٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}: «الأثاث: المال والمتاع والفرش؛ والرئي: المنظر والصورة والشارة الحسنة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 251)مصدر غير محدد٥/٢٥١ عن قتادة قال: «رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة، وفي ثيابهم قشفاً، فقالوا: أي الفريقين خير مقاماً؟ فقال الله: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً؛ أي كانوا أكثر أموالاً وأحسن أمتعة وأبهى صوراً من قريش، فدمرهم الله بذنوبهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَكَمْ»: كم خبرية تفيد التكثير والتهويل في محل نصب مفعول به مقدم لـ (أهلكنا).
«قَرْنٍ»: القرن الأمة من الناس والجيل المعاصر المقترن في زمن واحد.
«أَثَاثًا»: الأثاث هو متاع البيت الكثير من الفرش والرياش والكسوة؛ يقال: أثّ الشيء إذا كثر والتف.
«رِئْيًا»: مأخوذ من الرؤية بالعين؛ وهو المنظر الخارجي الحسن والرواء والجمال والبهاء والشارة؛ وقرئ {وَرِيًّا} بغير همز إما تسهيلاً، أو من الرّي ضد العطش أي نضارة النعمة.
الإعراب والقراءات:
«وَكَمْ»: الواو استئنافية، كم خبرية تكثيرية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل أهلكنا.
«أَهْلَكْنَا»: فعل وفاعل.
«قَبْلَهُم»: ظرف زمان متعلق بـ (أهلكنا) وهم مضاف إليه.
«مِّن قَرْنٍ»: من حرف جر بياني، قرن تمييز كم مجرور لفظاً.
«هُمْ»: ضمير منفصل مبتدأ في محل رفع.
«أَحْسَنُ»: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة نعت لـ (قرن).
«أَثَاثًا»: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
«وَرِئْيًا»: معطوف على (أثاثاً) منصوب بالفتحة؛ وقرأ نافع وابن ذكوان وابن محيصن: {وَرِيًّا} بياء مشددة بلا همز؛ وقرأ الباقون بالهمز الساكن {وَرِئْيًا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أسرع هذا الجواب الإلهي الفاحم وأقواه!
هم قالوا: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا}.
فجاءت المقابلة كلمة بكلمة: قابل «المقام» بـ «الأثاث»، وقابل «النديّ» بـ «الرئي»؛ ليعلموا أن الأمم السابقة ملكت أضعاف ما يملكون من أثاث ورواء ومجالس، فما عصمهم ذلك من بأس الله لما كذبوا، فكيف يغتر هؤلاء الضعفاء بقليل من حطام مكة الزائل؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لفساد التعويل على المظاهر والأشكال:
تحكم الفلسفة المادية على قيمة الحضارات بمظاهر عمرانها وزخرفها وأثاثها ورونقها الخارجي.
والقرآن يقدم المقياس الحضاري الحقيقي: الحضارة التي تخلو من الإيمان والعدل والتوحيد حضارة هشة محكوم عليها بالاندثار مهما بلغت من حسن الأثاث وبهاء الرئي؛ فالقوة المادية لا تمنع السنن الربانية الصارمة في إهلاك الظالمين.
البلاغة في التكثير بـ «كَمْ» الخبرية: استحضار لركام هائل من الأمم البائدة في مسار التاريخ البشري، مما يلقي في النفس هيبة ورهبة من عاقبة التكذيب.
الجمع بين «أَثَاثًا وَرِئْيًا»: استيعاب للنعيم الداخلي في المنازل (الأثاث والفرش) والنعيم الخارجي الظاهر في الأبدان والوجوه (الرئي والمنظر)، لبيان شمول الهلاك لكلتا النعمتين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يعلم هذا النص المؤمن ألا ينبهر بمظاهر الحضارات المادية المترفة التي تجاهر بمعصية الله؛ فالصور الزاهية والأبراج الشاهقة لا تعني رضا الله، ومصير الأمم مربوط بمدى استجابتها لرسالات السماء.
كما يرشد العبد إلى العناية بجمال الباطن ونقاء السريرة؛ فالله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.