يقابل الله تعالى سنة الاستدراج لأهل الضلالة بسنة التثبيت والزيادة لأهل الهدى؛ فالذين اهتدوا بالقرآن وأقبلوا على التوحيد يزيدهم الله إيماناً على إيمانهم وبصيرة على بصيرتهم وتوفيقاً إلى صالح الأعمال، والأعمال الصالحة الباقية بعد فناء الدنيا (كالصلوات الخمس، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، وسائر القربات) خير عند ربك جزاءً وثواباً، وخير عاقبة ومرجعاً ومآلاً من كل ما يملكه المشركون من المقام والنديّ والأثاث الفاني.
روى الطبري (ج 15، ص 592)مصدر غير محدد١٥/٥٩٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}: «أي يزيدهم بصيرة ويقيناً وتثبيتاً على الحق، ويوفقهم لأعمال صالحة أخرى». وفي قوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ}: «هي الصلوات الخمس؛ وقيل: الكلمات الطيبات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
وروى الإمام أحمد في المسند والنسائي في الكبرى وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قَالَ: لاَ، جُنَّتُكُمْ مِنَ النَّارِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُنَجِّيَاتٍ وَمُقَدِّمَاتٍ، وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«اهْتَدَوْا»: صيغة افتعل تدل على قبول الهدى والسعي فيه بالقلب والجوارح.
«الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»: الباقيات هي الأعمال التي يبقى ثوابها ولا يزول بفناء الدنيا؛ والصالحات الخالصة لله الموافقة لسنة رسوله.
«ثَوَابًا»: الجزاء الحسن العائد على العامل.
«مَّرَدًّا»: مصدر ميمي من الرد والإياب؛ أي مرجعاً وعاقبة ومآلاً في الدار الآخرة.
الإعراب:
«وَيَزِيدُ اللَّهُ»: الواو عاطفة أو استئنافية، يزيد فعل مضارع مرفوع، اسم الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«الَّذِينَ»: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لـ (يزيد).
«اهْتَدَوْا»: فعل ماض مبني على الضم المقدر والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
«هُدًى»: مفعول به ثانٍ منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذه المقابلة الإلهية العادلة!
أهل الضلال: يُمد لهم في الغي والشهوات مدّاً حتى يلاقوا شر مكان وأضعف جند.
وأهل الهدى: يزيدهم الله هدى وتوفيقاً ونوراً، ويدخر لهم الباقيات الصالحات خيراً ثواباً وخيراً مردّاً.
والمطابقة النظمية بين ختام هذه الآية وبين الآية (46) في سورة الكهف السابقة: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}؛ حيث جاءت في الكهف مقابلة لزينة المال والبنين، وجاءت هنا في مريم مقابلة للترفه بالمقام وحسن النديّ؛ لتتآخى السورتان في ترسيخ خلود العمل الصالح وزوال حطام الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مبدأ «زيادة الإيمان ونقصانه» عند أهل السنة:
يستدل أئمة السنة بهذه الآية الكريمة {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} على أن الإيمان والهدى يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعات وصالح الأعمال، وينقص بالمعاصي والغفلة؛ خلافاً للمرجئة الذين زعموا أن الإيمان شيء واحد لا يتفاضل.
والمحاكمة القرآنية قاطعة: فالهداية درجات ونور يتصاعد كلما أقبل العبد على ربه، فيثيبه الله على الحسنة بحسنة بعدها، كما يعاقب على السيئة بسيئة بعدها.
البلاغة في التعبير بـ «الْبَاقِيَاتُ»: إشعار بالتضاد مع حطام الدنيا «الفاني»؛ فالقصور والأثاث والمناصب تزول وتبيد، وتبقى الركعات والتسبيحات والأعمال الخالصة رصيداً أبدياً لا يبيد.
تكرار «خَيْرٌ» مرتين: {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا}؛ لتأكيد التفوق المطلق في مبدأ الجزاء وفي مآل العاقبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص نشاطاً وحيوية في نفس المؤمن للإكثار من الأذكار والصلوات والصدقات؛ فكل تسبيحة وتحميدة هي كنز باقٍ مدخر عند الله.
كما يعلمنا أن الشكر على الهداية يثمر مزيداً من التوفيق؛ فمن خطا نحو الله خطوة زاده الله هدى ونوراً وتثبيتاً في الفتن.