يتعجب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من جرأة كافر فاجر جمع بين الكفر بآيات الله وتكذيب البعث، وبين التجرؤ على الغيب بالأماني الكاذبة مدعياً أنه إن كان هناك بعث فسيؤتى في الآخرة مالاً وولداً كما أوتي في الدنيا!
روى البخاري في صحيحه (رقم 2091 ورقم 4732 ورقم 4733) ومسلم في صحيحه (رقم 2795)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٩٥ واللفظ للبخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: «كُنْتُ قَيْنًا (حَدَّادًا) فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لاَ أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَقُلْتُ: لاَ أَكْفُرُ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ! قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي هُنَاكَ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا}».
وروى الطبري (ج 15، ص 594)مصدر غير محدد١٥/٥٩٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي نزولها في العاص بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص قبل إسلام عمرو؛ وكان من كبار صناديد قريش المستهزئين بالدين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَفَرَأَيْتَ»: الهمزة للاستفهام التعجيبي الإنكاري، والفاء عاطفة؛ ورأيت هنا بصرية أو قلبية بمعنى: أخبرني وانظر إلى هذا العجب.
«لَأُوتَيَنَّ»: اللام موطئة لقسم مقدر؛ وأُوتَيَنّ فعل مضارع مبني للمجهول مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ والإيتاء العطاء والتمليك.
«وَلَدًا»: الولد يشمل الذكر والأنثى، وقرئ {وُلْداً} بضم الواو وسكون اللام وهي لغة تفيد الجمع كالفُلْك.
الإعراب والقراءات:
«أَفَرَأَيْتَ»: الهمزة للاستفهام، الفاء عاطفة، رأيت فعل وفاعل.
«الَّذِي»: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لـ (رأيت) إن كانت قلبية أو مفعول به إن كانت بصرية.
«كَفَرَ بِآيَاتِنَا»: فعل وفاعل مستتر وجار ومجرور، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
«وَقَالَ»: معطوف على (كفر).
«لَأُوتَيَنَّ»: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، أوتين مضارع مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل مستتر تقديره أنا.
«مَالًا»: مفعول به ثانٍ لـ (أوتين) منصوب بالفتحة الظاهرة.
«وَوَلَدًا»: معطوف على مالاً منصوب بالفتحة الظاهرة (وقرأ حمزة والكسائي: {وُوُلْدًا} بضم الواو وسكون اللام في جميع السورة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يصور نموذجاً حياً مجسداً لغرور المشركين واستهزائهم؛ فبعد أن بين ادعاءهم السابق {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا}، ساق واقعة عينية وقعت في بطحاء مكة بين صحابي مستضعف (خباب) وصنديد مشرك (العاص بن وائل)؛ لتكشف كيف يوظف الكفار تفوقهم المادي في ابتزاز المستضعفين والاستهزاء بحقائق المعاد.
والتعجيب النبوي {أَفَرَأَيْتَ} يوجه الأنظار إلى شناعة هذا المنطق الوقح الذي يجمع بين جحود الإله والتألي عليه بالأماني الفاسدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة سخرية المشركين واستهزائهم بالحقوق:
يكشف الموقف خسة أخلاق أهل الشرك؛ فالعاص بن وائل أكل حق الأجير المسكين خباب بن الأرت، وامتنع عن قضاء دينه العادل إلا بشرط الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم سخر من عقيدة البعث بجعلها ذريعة للتسويف الباطل.
وهذا يبرهن على أن الشرك مفسدة للأخلاق والمعاملات كما هو مفسدة للعقائد؛ فالذي لا يخاف الله لا يتورع عن أكل أموال الناس بالباطل والتهكم بحرماتهم.
البلاغة في التوكيد بالقسم ونون التوكيد في قول الكافر {لَأُوتَيَنَّ}: تصوير لعنجهية الكافر وتبجحه بالباطل حتى كأنه قد ضمن جنة النعيم بأمانيه الخبيثة.
التنكير في «مَالًا وَوَلَدًا»: للتكثير؛ أي أموالاً طائلة وأولاداً كثر يتفاخر بهم كما كان في دنياه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يثبت هذا الموقف عظمة ثبات الصحابة الكرام؛ فهذا خباب بن الأرت رضي الله عنه الفقير المحتاج يأبى أن يكفر بالله ولو بدينار واحد، ويفضل ضياع ماله الدنيوي على أن يفرط في ذرة من إيمانه بنبيه صلى الله عليه وسلم.
كما يعلمنا فضح منطق الساخرين بالدين وبيان بطلان شبهاتهم المستندة إلى الوهم والغرور.