يفصح زكريا عليه السلام عن الباعث الحقيقي والدافع الإيماني النبيل وراء طلبه الولد؛ وهو خوفه على دين قومه وشريعة ربه بعد وفاته، إذا تولى شأن بني إسرائيل موالٍ لا يقومون بحق النبوة ولا يرعون أمانة الهداية.
روى الطبري (ج 15، ص 450)مصدر غير محدد١٥/٤٥٠ عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في قوله: {خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي}: «الموالي هم العصبة وبنو العم والقرابة، خاف أن يضيعوا الدين والشريعة من بعد موته، ولم يخفهم على ميراث المال؛ فإن الأنبياء أزهد الناس في الدنيا، وإنما خافهم على ميراث النبوة والعلم والحكمة والدعوة إلى الله».
وروى مسلم في صحيحه (رقم 1758)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٥٨ عن عائشة رضي الله عنها، والبخاري (رقم 3093)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٣ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ». وهذا الحديث نص قاطع في نفي توارث الأموال بين الأنبياء، مما يفسر معنى الخوف والميراث هنا بأنه ميراث الدين والنبوة ورعاية شؤون بني إسرائيل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«الْمَوَالِيَ»: جمع مولى، ويطلق في لغة العرب على معانٍ متعددة كالولي، والناصر، وابن العم، والعصبة، وبني الأعمام، والمراد هنا: عصبته وقرابته الذين يرثون أمره من بعده.
«مِن وَرَائِي»: أي من بعد موتي وغيبتي عنهم، وقرأ ابن كثير بإسكان الياء «من ورايْ» وقرأ نافع وأبو عمرو وغيرهما بفتح الياء «مِن ورائِيَ».
«عَاقِرًا»: العاقر في المعجم هي المرأة التي لا تلد ولا تحبل لعيب في تكوينها أو لكبرها، ويستوي فيه المذكر والمؤنث؛ يقال: امرأة عاقر ورجل عاقر، من عقر إذا انقطع.
«وَلِيًّا»: الولي هو القريب المتولي للأمر، الناصر القائم بالعهد والولاية، والمراد: ولداً صالحاً يتولى رعاية الدين وحفظ الوحي.
الإعراب:
«وَإِنِّي خِفْتُ»: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب، والياء اسمها، خفت فعل وفاعل في محل رفع خبر إن.
«الْمَوَالِيَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«مِن وَرَائِي»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الموالي أو متعلق بـ (خفت)، والياء مضاف إليه.
«وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا»: الواو حالية، كان واسمها وخبرها منصوب.
«فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا»: الفاء رابطة، هب فعل دعاء وطلب مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، لي جار ومجرور، من لدنك جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (ولياً) أو بـ (هب)، ولياً مفعول به منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يقطع الطريق على أي ظن بأن طلب زكريا للولد كان بدافع الشهوة الجبلية لمجرد الأنس الدنيوي بالبنين والتكاثر بهم؛ بل جاء السياق محاطاً ببيان العوائق الذاتية: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا}، والمخاوف الرسالية: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي}.
وقوله: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ} يعبر عن حقيقة الالتجاء إلى فيض القدرة المحضة؛ فإنه علم أن الأسباب الظاهرة تعجز عن إنجاب ولد من شيخ هرم وامرأة عاقر، فطلب هبة استثنائية ربانية متجاوزة للأسباب المعتادة لا تكون إلا «من لدنك» يا رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة ادعاء الروافض أن ميراث زكريا كان ميراث مال:
زعمت بعض الفرق المبتدعة (كالرافضة) أن زكريا سأل ربه ولداً ليرث ماله ودنياه، واستدلوا بذلك للطعن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة».
والمحاكمة العقلية والشرعية تدحض هذا الباطل من وجوه ساطعة:
أن زكريا عليه السلام نبي كريم من أزهد خلق الله في الدنيا، فكيف يليق بمقامه أن يناجي ربه خفياً في جوف الليل متضرعاً بافتقار شديد لمجرد ألا يأخذ بنو عمه ماله ودراهمه؟ وهل يبخل النبي بماله على قرابته حتى يشتكي ذلك إلى الله ويطلب ولداً يمنعهم من وراثة حطام فاني؟ هذا قول ينبو عنه مقام الصالحين فضلاً عن النبوة.
أن المال في شريعة الأنبياء عرض زائل، وميراث الأنبياء الحقيقي هو العلم والهدى والنبوة، كما قال تعالى في سورة النمل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}، ومعلوم أن داود كان له أولاد كثر غير سليمان، فلو كان الميراث مالاً لاشترك فيه سائر أولاده، فلما خُص سليمان بالذكر دل على أنه ميراث النبوة والحكمة والمُلك الصالح.
صريح الحديث النبوي الصحيح المتواتر معناه في الصحيحين قاطع لكل نزاع؛ فالأنبياء إنما يورثون العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
التنكير في قوله: {وَلِيًّا}: يفيد التعظيم والكمال؛ أي ولداً ولياً حقيقياً يواليك بالطاعة، ويوالي أولياءك بالنصرة، ويتحمل أمانة الرسالة بقوة ورسوخ.
تخصيص العطاء بقوله {مِن لَّدُنكَ}: توكيد على أن العطاء المرجو هبة غيبية محضة تنكسر عندها قوانين الطبيعة المألوفة وتبرز قدرة الخالق المطلقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يلقي هذا النص في روع المصلحين والدعاة واجب الهمّ على مستقبل الدين والحرص على إعداد الأجيال الصالحة التي تحمل الراية من بعدهم؛ فالداعية لا ينتهي طموحه بانتهاء أجله، بل يظل قلبه معلقاً ببقاء كلمة التوحيد ونصرة الشريعة.
كما يعلمنا أن طلب الذرية إذا اقترن بنية صالحة لحفظ الدين والقيام بحق الله تحول من مجرد ميل غريزي إلى عمل تعبدي رفيع يستنزل بركات السماء.