هذا فصل الخطاب وحكم الله الصدع الذي لا يقبل شكاً؛ ذلك الموصوف بتلك الصفات الشريفة الجليلة، الناطق في المهد بالعبودية والنبوة والبر، هو عيسى بن مريم عليه السلام على الحقيقة واليقين، وليس كما يزعم الغالون من النصارى بأنه ابن الله أو إله، ولا كما يفتري المجرمون من اليهود بأنه ابن زنا؛ بل هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم وروح منه، وهذا هو القول الحق الذي يمارى فيه أهل الضلال والشك.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 512)مصدر غير محدد١٥/٥١٢ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي في قوله: {ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ} قالوا: «أي هذا هو عيسى على الحقيقة والصدق، لا ما تقوله النصارى من الباطل، ولا ما تقوله اليهود من البهتان؛ والقول الحق هو كلام الله وتنزيله الذي لا ريب فيه».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 231)مصدر غير محدد٥/٢٣١ عن قتادة قال: «اجتمع بنو إسرائيل فتنازعوا في عيسى، فقال قائل منهم: هو الله نزل إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وقال قائل: هو ابن الله، وقال قائل: هو ثالث ثلاثة، وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله؛ فأنزل الله قوله: {ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}». والامتراء هو الشك والجدال بالباطل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«ذَٰلِكَ»: اسم إشارة للبعيد، واستعماله للإشارة إلى المذكور القريب إشارة إلى علو شأنه ورفعة مقامه.
«قَوْلَ الْحَقِّ»: القول يطلق على الكلام وعلى المعنى؛ والحق ضد الباطل وهو اسم من أسماء الله تعالى وصفة لكلامه؛ أي الكلام الحق أو كلام الله الحق.
«يَمْتَرُونَ»: من المِرية وهي الشك والارتياب المصحوب بالجدال والخصومة؛ يقال: امترى في الأمر إذا تردد وشك وجادل فيه.
الإعراب والقراءات:
«ذَٰلِكَ»: ذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
«عِيسَى»: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
«ابْنُ»: نعت لـ (عيسى) مرفوع بالضمة الظاهرة، ومريم مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
«قَوْلَ الْحَقِّ»:
قراءة الجمهور (حفص، نافع، أبو عمرو، ابن كثير، الكسائي): {قَوْلَ الْحَقِّ} بنصب «قولَ» على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة الاسمية السابقة (مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أقول قولَ الحق، أو قال الله قولَ الحق).
قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (شعبة): {قَوْلُ الْحَقِّ} برفع «قولُ» على أنه بدل من (عيسى) أو خبر ثانٍ للمبتدأ (ذلك)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو قولُ الحق.
«الَّذِي»: اسم موصول مبني في محل جر نعت لـ (الحق) أو لـ (قول).
«فِيهِ»: جار ومجرور متعلق بـ (يمترون).
«يَمْتَرُونَ»: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا التعقيب الإلهي الحاسم في قمة التناسب النظمي؛ فبعد أن انتهى مشهد كلام عيسى في المهد وانقضت الحكاية، تدخل الخطاب الإلهي المباشر ليضع ميزان الحقيقة الأبدية ويفصل بين فريتي اليهود والنصارى.
وتأكيد النسبة إلى مريم {عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} رد قاطع على كلتا الطائفتين؛ ففيه رد على اليهود الذين طعنوا في نسبه، وفيه رد على النصارى الذين زعموا بنوته لله؛ فهو ابن مريم ليس له نسب سواها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة عقائد الفرق ودحض الشكوك والافتراءات:
انقسم الناس في المسيح عيسى بن مريم عليه السلام إلى طرفي نقيض:
طرف جافٍ مفترٍ: وهم اليهود الذين قالوا: ساحر كذاب وابن زنا لعنهم الله.
طرف غالٍ مشرك: وهم النصارى الذين جعلوه إلهاً وابن إله وثالث ثلاثة.
وجاء الإسلام بالحق والعدل والوسطية المعصومة: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه؛ لا إفراط ولا تفريط، وهذا هو الحق المبين الذي انحسرت عنه أوهام المشككين: {فِيهِ يَمْتَرُونَ}.