يصور القرآن الكريم أثر هذه الفرية الشنيعة على الكائنات العظام والجمادات الراسية؛ فتكاد السماوات السبع بعظمتها وسمكها يتشققن ويتصدعن ويسقطن من هول هذا القول، وتكاد الأرض تنصدع وتنشق وتبتلع من عليها، وتكاد الجبال الصم الشوامخ الراسيات تنهد وتسقط وتتفتت حطاماً وركاماً هداً؛ فزعاً ورعباً من نسبة الولد للرحمن، وغضباً لله جل جلاله، وإجلالاً لعظمته وكبريائه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 614)مصدر غير محدد١٥/٦١٤ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «إن السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين (الجن والإنس) فزعت من كلمة الشرك، واقشعرت الجبال، وكادت السماوات تتفطر، والأرض تنشق، والجبال تخر هداً؛ إعظاماً لله أن يُجعل له شريك أو ولد؛ فما كادت تخر إلا لعظمة الله تعالى».
وروى ابن أبي حاتم وابن كثير (ج 5، ص 257)مصدر غير محدد٥/٢٥٧ عن قتادة ومجاهد والضحاك وأبي الجوزاء قالوا: «استعظمت الجمادات والكائنات هذا القول وفزعت منه فزعاً شديداً؛ فغضبت لله ولعظمته؛ فما أعجب من غفلة ابن آدم الذي ينطق بهذه الفرية وهو لا يبالي، والجمادات الصم تكاد تنفلق وتتهدم غضباً لله!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«تَكَادُ»: فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة، يدل على قرب وقوع الخبر لولا أن الله أمسكها برحمته وحلمه.
وقرأ أبو عمرو: {تَتَفَطَّرْنَ} بتاء التأنيث والتشديد.
«مِنْهُ»: جار ومجرور متعلق بـ (يتفطرن)؛ أي من أجل هذا القول والفرية.
«وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ»: معطوف على خبر تكاد، تنشق فعل مضارع والأرض فاعل.
«وَتَخِرُّ الْجِبَالُ»: معطوف، تخر فعل مضارع والجبال فاعل.
«هَدًّا»: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة لفعل محذوف تقديره (تنهد هداً)؛ أو حال منصوبة؛ أي مهدودة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يجسد أعظم حركة كونية ارتعادية في البيان الإلهي؛ فالسماوات في علوها تتفطر، والأرض في انبساطها تنشق، والجبال في رسوخها وصلابتها تخر وتنهدم هداً!
وحشد هذه الكائنات الثلاثة العظمى (السماوات، الأرض، الجبال) التي تمثل أعظم أجرام الكون المشهود؛ لإبراز التناقض الصارخ بين وعي الجمادات الفطري بعظمة الله وخضوعها له، وبين غفلة الإنسان الجاحد وتبجحه بالفرية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حقيقة إدراك الجمادات وتسبيحها وغضبها لله:
يظن الماديون أن الجمادات صماء ميتة لا شعور لها ولا إدراك.
والقرآن الكريم يثبت في نصوص قاطعة أن سائر الكائنات والجمادات لها شعور وإدراك وتسبيح خاص يليق بها يعلمه الله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، وإن هذه الكائنات تسبح بحمد ربها وتفزع وتغضب إذا انتُقص جناب التوحيد أو نُسب الولد للرحمن؛ وهذا يبرهن على أن الكون كله مؤمن موحد خاضع لربه، والشذوذ والانحراف إنما هو من كفرة الثقلين.
البلاغة في التعبير بالفعل «تَكَادُ»: إشعار بأن الكارثة الكونية كانت قاب قوسين أو أدنى من الوقوع فور التفوه بالفرية، لولا أن الله أمسك السماوات والأرض بحلمه ورحمته: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا}.
الجرس الصوتي لكلمة «هَدًّا»: لفظة شديدة الوقع تحاكي صوت انهيار الجبال الشاهقة وارتطام الصخور وتفتتها ركاماً، بما يملأ الأسماع هيبة ورعباً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يوقظ هذا المشهد المروع في نفس المسلم تعظيم الله وخشيته؛ فإذا كانت السماوات السبع والجبال الصم تفرَق وترتعد من كلمة الشرك، فكيف يجرؤ عبد ضعيف مخلوق من ماء مهين أن ينطق بها أو يقر بها دون وجل؟!
كما يرشدنا إلى استشعار روحانية الكون من حولنا؛ فالمؤمن يعيش في كون مسبح خاشع يشاركه حب التوحيد والبغض الخالص للشرك وأهله.