يشير الله جل جلاله إشارة تعظيم وتبجيل إلى تلك الجنة الخالدة الموصوفة بتلك الصفات العلية؛ مبيناً أنه سبحانه يورثها ويملكها وينزلها منازل الفائزين من عباده المتقين الذين اتصفوا بالتقوى بملازمة فرائضه واجتناب مناهيه وحفظ صلواتهم عن الضياع.
روى الطبري (ج 15، ص 566)مصدر غير محدد١٥/٥٦٦ عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا}: «أي نورثها المتقين الذين اتقوا معاصي الله في الدنيا، وأطاعوه في فرائضه، وثبتوا على دينه».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 246)مصدر غير محدد٥/٢٤٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلاَنِ: مَنْزِلٌ فِي الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ؛ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«تِلْكَ»: اسم إشارة للبعيد المؤنث، استعمل للتعظيم وعلو الشأن.
«نُورِثُ»: الإيراث التمليك الدائم الخالد كوراثة الميراث الذي لا منازع له؛ واستعير هنا لاستحقاقهم الجنة بوعد الله وفضله.
«تَقِيًّا»: فَعِيل من التقوى؛ وهو الذي جعل بينه وبين عذاب ربه وقاية بالعمل الصالح وترك المحرمات.
الإعراب:
«تِلْكَ»: تي اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
«الْجَنَّةُ»: بدل من (تلك) أو عطف بيان مرفوع بالضمة الظاهرة (أو خبر المبتدأ).
«الَّتِي»: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ (أو نعت لـ الجنة).
«نُورِثُ»: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره نحن، والمفعول الأول محذوف تقديره (نورثها).
«مِن عِبَادِنَا»: جار ومجرور متعلق بـ (نورث)، ونا مضاف إليه.
«مَن»: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (نورث)؛ أي نورثها الذي كان تقياً.
«كَانَ تَقِيًّا»: كان واسمها مستتر، تقياً خبرها منصوب، والجملة صلة الموصول لـ (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي الحاسم يحصر شروط الفوز بدار السلام في شرط واحد جامع: «التقوى»؛ فليست الجنة موروثة بالأنساب ولا بالأماني الجوفاء، ولا ينالها الخلف المضيع للصلاة والمتبع للشهوات، وإنما يرثها «من كان تقياً».
وتكرار كلمة «تَقِيًّا» في السورة: عند يحيى {وَكَانَ تَقِيًّا}، وعند مريم {إِن كُنتَ تَقِيًّا}، وهنا في جزاء الجنة {مَن كَانَ تَقِيًّا}؛ يجعل التقوى هي الخيط الناظم والعماد الراسخ لكرامات سورة مريم كلها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق التوفيق بين الوراثة بالعمل والدخول بالفضل الإلهي:
قد يظن ظان أن قوله {نُورِثُ... مَن كَانَ تَقِيًّا} يعارض حديث الصحيحين: «لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة».
والمحاكمة العقدية السديدة تبين كمال التوافق:
أن الدخول ابتداءً والنجاة من النار إنما هو بمحض فضل الله ورحمته وعفوه؛ إذ لو حاسب الله العبد على نعمة واحدة لاستغرقت كل عمله الصالح.
أما اقتسام المنازل ودرجات القصور ووراثة منازل الكفار في الجنة فإنما تتفاوت بالتقوى وصالح الأعمال؛ فالعمل سبب والرحمة هي الأصل المفيض للنعم؛ ولهذا قال: {نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} فنسب الفعل لفضله.
استعارة الوراثة للتمليك الأبدي «نُورِثُ»: استعارة تمثيلية بالغة القوة؛ لأن الميراث يستقر للموارِث استقراراً تاماً لا رجعة فيه ولا منّة لأحد عليه فيه؛ فصارت الجنة ملكاً خالصاً للمتقين لا يخرجون منها أبداً.
إضافة العباد إلى ضمير العظمة {عِبَادِنَا}: إضافة تشريف وتكريم ترفع شأن أهل الطاعة والتقوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا النص الغاية الكبرى أمام عين المسلم: «كن تقياً ترث الجنة»؛ فالتقوى هي رأس مال العبد في تجارته مع الله، ومن حافظ على تقوى الله في سره وعلنه ضمن وراثة الفردوس الأعلى.
كما يحث الدعاة على ربط قلوب الناس بالعمل الجاد وعدم الاتكال على الأماني الكاذبة ودعاوى الانتماء المجرد بغير تقوى.