حين تحول الفزع إلى يقين بصدق الملك وبشارة الغلام، واجهت مريم عليها السلام السؤال الفطري العقلي الطبيعي لامرأة عذراء بتول طاهرة: كيف يتأتى لي هذا الولد والوسائل البشرية المعتادة للإنجاب منتفية من أصلها؛ فلا زوج يمسها بنكاح حلال، وليست هي بفاجرة بغي ترتكب الفاحشة المحرمة؟
روى الطبري (ج 15، ص 482)مصدر غير محدد١٥/٤٨٢ عن قتادة ومجاهد وابن جريج والسدي في قوله: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}: «أي بنكاح حلال، {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} أي: ولم أك ذات فجور وبغاء في الحرام».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 223)مصدر غير محدد٥/٢٢٣ أن مريم عليها السلام استبعدت ذلك من حيث العادة الطبيعية المقررة للبشر؛ لأن المرأة إنما تلد إما من زوج ينكحها، أو من سفاح وبغاء محرم؛ وكلا الأمرين منتفٍ في حقها؛ فتعجبت من كيفية إيجاد هذا الغلام من غير هذين الطريقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَنَّىٰ»: اسم استفهام يفيد التعجب واستعلام الكيفية، بمعنى: كيف ومن أين؟
«يَمْسَسْنِي»: المسيس في أصل اللغة هو إلصاق الجارحة بالجارحة حساً، ويستعمل في القرآن كناية بالغة العفة والأدب عن الجماع ومباشرة الزوجية الحلال.
«بَغِيًّا»: فَعُول أو فَعِيل، أصله مشتق من البغي وهو مجاوزة الحد والطلب، و«البغيّ» في لغة العرب هي المرأة الزانية الفاجرة التي تطلب الفاحشة وتبغي الرجال بالأجرة أو غيرها؛ ولا يقال للمرأة بغية بالتاء لأنها صفة خاصة بالنساء كطالق وحائض.
الإعراب:
«قَالَتْ»: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هي.
«أَنَّىٰ»: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال، أو ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر يكون مقدم.
«يَكُونُ»: فعل مضارع ناقص مرفوع بالضمة الظاهرة.
«لِي»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من غلام أو بخبر يكون.
«غُلَامٌ»: اسم يكون مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
«وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ»: الواو حالية، لم حرف نفي وجزم وقلب، يمسسني فعل مضارع مجزوم بالسكون، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم، بشر فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل نصب حال.
«وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا»: الواو عاطفة على الجملة الحالية، لم جازمة، أك فعل مضارع ناقص مجزوم بالسكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها مستتر تقديره أنا، بغياً خبر أك منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يفيض بنقاء الطهارة وعزة العفاف؛ فمريم عليها السلام حصرت أسباب الإنجاب البشرية كلها في جملتين قاطعتين:
ونفي الأمرين معاً يبرهن على أن عقلها لم يكن يتصور خرق العادة بإيجاد ولد بلا ذكر، فلما سمعت البشارة بالولد تساءلت عن مسار هذا الإعجاز، وفيه تصريح قاطع ببراءتها الذاتية ونفورها المطلق من الفاحشة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فرية اليهود الخبيثة وتبرئة القرآن لمريم الصديقة:
افترى أحبار اليهود وشياطينهم فرية كبرى ونسبوا مريم البتول إلى الفاحشة، وقالوا عليها بهتاناً عظيماً كما نص القرآن في سورة النساء: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا}.
والقرآن الكريم يسجل هنا براءتها الصريحة بلسانها وبشهادة الله وشهادة الملك وإعجاز نطق الرضيع؛ فقولها: {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} صادر من أعماق قلب بتول لا يعرف الفجور، وقد شهد لها ربها بالإحصان والصدق: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}، فكان هذا النص القرآني صخرة الحق التي تحطمت عليها كل افتراءات أهل الكتاب المحرفين.