افتتح الله جل جلاله هذه السورة العظيمة بهذه الحروف المقطعة الخمسة، وهي أطول فواتح السور في كتاب الله عدداً من حيث الحروف المجتمعة في موضع واحد؛ إذ لم يجتمع في موضع آخر خمسة أحرف هجائية غير هذا الموضع وموضع {حم * عسق} في سورة الشورى على قراءة من عدهما آيتين أو آية واحدة.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 444)مصدر غير محدد١٥/٤٤٤ بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كهيعص} قال: «هو اسم من أسماء الله تعالى». وروي عنه أيضاً بإسناد آخر: «الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق». وروى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول في دعائه: «يا كهيعص اغفر لي»، وهذا محمول على التوسل بأسماء الله تعالى المضمنة في هذه الحروف.
وذهب المحققون من أئمة التفسير والسلف كقتادة ومجاهد والضحاك وابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 212)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٢١٢ إلى أن هذه الفواتح حروف مقطعة سيقت مساق التحدي والإعجاز، لبيان أن هذا القرآن المعجز مؤلف من جنس الحروف الهجائية التي يتخاطب بها العرب وينظمون منها أشعارهم وخطبهم، ومع ذلك عجزوا مجتمعين عن الإتيان بسورة من مثله، فدل ذلك دلالة قاطعة على أنه تنزيل من حكيم حميد وليس من كلام البشر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء الصوتي والصرفي: هذه الحروف أسماء لأصوات الحروف المباني، وتُقرأ أسماؤها ساكنة الأعجاز مع الالتزام بقواعد المد التجويدي: الكاف (مد لازم كلمي مخفف يمد ست حركات)، الهاء واليا (مد طبيعي حرفي يمد حركتين في قراءة الجمهور «ها، يا»)، العين (يجوز فيها التوسط والمد المشبع لاجتماع حرف اللين مع السكون)، والصاد (مد لازم حرفي مخفف يمد ست حركات مع قلقلة الدال عند الوقف).
الإعراب:
قيل: حروف هجائية لا محل لها من الإعراب، مسوقة للتنبيه وافتتاح الكلام المعجز.
وقيل: في محل رفع مبتدأ، وخبره الجملة بعدها {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ}، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كهيعص.
وقيل: في محل نصب بفعل قسم محذوف، أي: أقسم بكهيعص، وجواب القسم محذوف أو ما تضمنه سياق التنزيل والإخبار بالرحمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء افتتاح السورة بـ {كهيعص} مناسباً غاية المناسبة لأجواء سورة مريم المشحونة بالغرائب وخوارق العادات؛ فكما أن تركيب هذه الأحرف الخمسة جاء فريداً لم يعهد مثله في فواتح السور، كذلك جاءت موضوعات السورة مفتتحة بأعجب القصص وأجل الخوارق: ولادة يحيى من شيخين هرمين عاقرين، وولادة عيسى من عذراء بتول دون أب.
ويرتبط هذا المطلع بخاتمة سورة الكهف السابقة؛ فبعد أن بينت خاتمة الكهف فناء الكلمات ونفاذ الأبحر دون نفاد كلمات الله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي}، افتتحت سورة مريم بأسرار من تلك الكلمات الإلهية المنزلة المعجزة {كهيعص}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التأويلات الباطنية والعددية:
زعمت بعض الطوائف الباطنية وأصحاب حساب الجُمَّل وتارات التنجيم أن الحروف المقطعة {كهيعص} تشتمل على رموز زمنية أو إشارات إلى حوادث سياسية وتواريخ ملل وأمم وانقضاء دول.
والمحاكمة العقلية والسلفية ترد هذه الدعوى؛ لأن القرآن كتاب هداية وبيان مستبين أُنزل بلسان عربي مبين، وقد نهى الصحابة والتابعون كابن عباس وابن سيرين عن ضرب القرآن بحساب الجُمَّل، واعتبروه من أعمال السحر والكهانة المنبوذة؛ فالحروف سيقت للإعجاز والتحدي ولفت أسماع المشركين لتدبر كلام الله.
في الابتداء بالحروف الخمسة المبنية على أصوات متباينة المخارج من الحلق واللسان والشفتين استثارة حواس السامع وتهيئة وجدانه؛ إذ يقرع الأسماع صوت غريب متفرد غير مألوف في كلام البلغاء، فتتجه القلوب والأسماع مترقبة لما يأتي بعد هذا الاستفتاح الإلهي المهيب.
وتناسب النغمة الصوتية لهذه الحروف مع نداء التضرع الخفي الذي يعقبها في الآية التالية يمنح النص القرآني تناغماً شعورياً يفيض بالسكينة والخشوع التام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا المطلع القرآني العبد على التسليم المطلق لعظمة كلام الله، والوقوف عند حدوده بأدب وخضوع؛ فالمؤمن يعلم أن في كتاب ربه أسراراً وإعجازاً تنحسر دونه مدارك الخلق، فيزيده ذلك إيماناً وتصديقاً.
كما يعلم الداعية أهمية براعة الاستهلال واختيار الأسلوب المؤثر الذي يجذب أسماع المخاطبين ويهيئهم لقبول الحق وامتثال الوحي الإلهي.