حين استهزأ القوم بإشارة مريم واستبعدوا كلام الرضيع، انخرقت نواميس الكون وتكلم عيسى بن مريم عليه السلام في مهده بلسان عربي فصيح مبين قاطع، وكان أول ما نطق به لسانه الشريف هو إعلان العبودية الخالصة لله الواحد القهار، ونفي أي صفة من صفات الألوهية أو الربوبية عن نفسه، ثم الإخبار بأن الله قضى في سابق علمه بإيتائه الإنجيل واصطفائه نبياً ورسولاً لبني إسرائيل.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 506)مصدر غير محدد١٥/٥٠٦ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تكلم عيسى عليه السلام وهو رضيع في المهد، فلما سمعوا كلامه بهتوا وانقطع كلامهم». وروى عن عكرمة ومجاهد والسدي قالوا: «أول ما نطق به عيسى عليه السلام حين أشارت إليه أمه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ}، فقضى بالعبودية لله تعالى رداً على الغالين فيه من بعده، ثم قال: {آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 229)مصدر غير محدد٥/٢٢٩ في فضيلة كلام عيسى في المهد ما رواه البخاري في صحيحه (رقم 3436)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٣٦ ومسلم (رقم 2550)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٥٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلَّا ثَلاَثَةٌ: عِيسَى، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَصَبِيٌّ آخَرُ». وكان كلام عيسى أعظمها شأناً وأرفعها قدراً؛ لأنه تضمن تقرير عقيدة التوحيد ودفع التهمة عن أمه وإثبات النبوة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«عَبْدُ اللَّهِ»: العبد هو المتذلل الخاضع المطيع لخالقه، وتقديمه على النبوة غاية في الأدب والتحقيق العقدي.
«آتَانِيَ»: الإيتاء هو الإعطاء والتمليك؛ وعبر بالفعل الماضي {آتَانِيَ} و{جَعَلَنِي} لتحقق الوقوع وثبوته في القضاء والقدر السابق، أو لأن الله أودع فيه معارف الكتاب والنبوة في مهده.
«الْكِتَابَ»: الإنجيل الذي أنزله الله عليه هدى ونوراً.
«نَبِيًّا»: فَعِيل من النبوءة وهي الرفعة، أو من النبأ وهو الخبر من الله؛ والنبي هو من أوحي إليه بشرع.
الإعراب:
«قَالَ»: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على عيسى عليه السلام الرضيع.
«إِنِّي»: إن حرف توكيد ونصب، والياء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
«عَبْدُ»: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
«اللَّهِ»: اسم الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، والجملة مقول القول.
«آتَانِيَ»: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول في محل نصب، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على اسم الجلالة.
«الْكِتَابَ»: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
«وَجَعَلَنِي نَبِيًّا»: الواو عاطفة، جعلني فعل ماض ونون الوقاية والياء مفعول به أول، نبياً مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا النظم وما أدق ترتيبه النبوي الإلهي! فالمسيح عليه السلام يبدأ كلامه بالكلمة الفاصلة التي تحسم مصير أعظم فتنة ستواجه البشرية في شأنه: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ}.
فلم يقل «أنا ابن الله»، ولا «أنا إله»، ولا بدأ بالتبرئة لمريم كأن يقول: «أمي بريئة»، بل بدأ بالحق الإلهي الأعظم وهو حق التوحيد وإثبات عبوديته لله تعالى؛ لأن من كان عبداً لله ونبياً مؤتى الكتاب يستحيل عقلاً أن يولد من سفاح أو ينشأ من فجور؛ فكان إثبات العبودية والنبوة أبلغ برهان وأقوى تبرئة لأمه الصديقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض عقيدة التأليه والتثليث ومحاكمة النصارى بلسان نبيهم في المهد:
يمثل هذا النص القرآني حجة باهرة تقطع دابر عقائد النصارى المحرفة في ألوهية المسيح أو بنوته؛ فإن عيسى عليه السلام في أول ومضة من حياته الناطقة أعلن بصوت مجلجل لا يحتمل لبساً: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ}.
والمحاكمة العقلية تلزمهم بالحق: إن كنتم تعترفون بأن عيسى تكلم في المهد معجزة باهرة، فلماذا لا تصدقون كلامه الذي نطق به في تلك المعجزة؟! كيف تجعلونه إلهاً وهو يصرخ في مهده معلناً أنه عبد مخلوق لربه مربوب خاضع لأمره؟! فبطل بذلك الثالوث وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.
براعة الاستهلال بالعبودية: تقديم وصف «العبودية» على «النبوة» و«الكتاب»؛ لتقرير أن العبودية لله هي أعلى مقامات الخلق وأشرفها، وأن النبوة فرع عنها.
التعبير بالماضي عن المستقبل المحقق: في قوله {آتَانِيَ} و{جَعَلَنِي} دلالة بلاغية على أن قضاء الله نافذ لا محالة، فما وعد الله به فهو كالكائن الواقع الذي لا مرية فيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرسخ هذا الإعلان النبوي أعظم حقيقة في الوجود: «التوحيد الخالص والعبودية لله»؛ فالمؤمن يعتز بكونه عبداً لله، ويرى في هذا الانتساب قمة الحرية والشرف والكرامة.
كما يعلمنا أن الدفاع عن المظلومين وتبرئة ساحتهم ينبغي أن ينطلق من ثوابت الحق والإيمان؛ فالصلاح والتقوى والالتزام بالدين هو أعظم تزكية للمرء في الدنيا والآخرة.