هذا الثناء الإلهي المحيط هو تاج الشرف لموكب الأنبياء المذكورين في هذه السورة؛ يخبر الله تعالى أن هؤلاء الأصفياء (زكريا، ويحيى، وعيسى، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس) هم الذين أنعم الله عليهم بالهدى والنبوة والاجتباء، وينحدرون من أشرف أنساب البشرية: من ذرية آدم (إدريس)، وممن حملنا مع نوح في السفينة (إبراهيم)، ومن ذرية إبراهيم (إسماعيل وإسحاق ويعقوب)، ومن ذرية إسرائيل وهو يعقوب (موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى)، وكان أعظم شأنهم أنهم إذا سمعوا كلام الله ووحي الرحمن تساقطت أجسادهم خاضعة في سجود خاشع، وفاضت عيونهم بالدموع والبكاء وجلاً وشوقاً وتعظيماً لله.
روى الطبري (ج 15، ص 553)مصدر غير محدد١٥/٥٥٣ عن ابن عباس ومجاهد والسدي في تفصيل أنسابهم كما تقدم: «فإدريس من ذرية آدم قبل نوح، وإبراهيم من ذرية من حُمل مع نوح وهو سام بن نوح، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم، وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل».
وروى ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد الرزاق، وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ سورة مريم، فسجد في هذه الآية، ثم قال: «هذا السجود، فأين البُكِيُّ؟!»، يعاتب نفسه ويحثها على البكاء والخشوع مع السجود اقتداءً بالأنبياء. وروى ابن كثير (ج 5، ص 241)مصدر غير محدد٥/٢٤١ عن ابن مسعود رضي الله عنه وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم هذه السجدة والتزام البكاء والتضرع عندها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أُولَٰئِكَ»: اسم إشارة للجمع البعيد، مستعمل للدلالة على علو الرتبة ورفعة المكانة.
«اجْتَبَيْنَا»: الاجتباء الاختيار والاصطفاء والتخليص؛ من جبيت الشيء إذا اخترته واقتنيته لنفسك.
«خَرُّوا»: الخرور هو السقوط والنزول السريع للأرض من علو بقوة وتذلل؛ وخرّ ساجداً إذا سقط على وجهه خاضعاً.
«سُجَّدًا»: جمع ساجد، وهو الواضع جبهته على التراب خضوعاً لله.
«بُكِيًّا»: جمع باكٍ (كجالس وجلوس، وشاهد وشهود)، أصله «بُكُوي» قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسرت الكاف لمناسبة الياء؛ وهو الممتلئ بالبكاء والدموع من خشية الله.
الإعراب:
«أُولَٰئِكَ»: أولاء اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
«الَّذِينَ»: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ (أو بدل والمبتدأ خبره جملة إذا تتلى).
«أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم»: فعل وفاعل وجار ومجرور، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
«وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا»: معطوف على ما قبله.
«إِذَا»: ظرف زمان تضمن معنى الشرط.
«تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ»: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على آيات، وعليهم جار ومجرور متعلق بـ (تتلى).
«آيَاتُ»: نائب فاعل مؤخر مرفوع بالضمة (أو تتلى مؤنث وآيات فاعل إذا بني للمعلوم)، والرحمن مضاف إليه مجرور.
«خَرُّوا»: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة جواب شرط (إذا) لا محل لها من الإعراب.
«سُجَّدًا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من واو الجماعة.
«وَبُكِيًّا»: معطوف على (سجداً) حال ثانية منصوبة بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل ذروة السنام في السورة؛ فبعد أن عرض أطياف النبوات المتفرقة، جمعهم في عقد واحد باهر: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم}؛ ليعلم أن رسالة الأنبياء جميعاً واحدة، وأن أعظم صفة تميزهم ليست خوارق العادات فحسب، بل هي «الخشوع التام والاستكانة لآيات الرحمن».
والربط بين «آيات الرحمن» وبين «الخرور سجداً وبكياً» يبرز رقة القلوب النبوية؛ فكلما ازداد العبد معرفة برحمة ربه ازداد وجلاً وخوفاً وبكاءً عند سماع كلامه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق أحكام سجدة التلاوة ومشروعيتها عند هذه الآية:
أجمع أئمة الفقه والتفسير على أن هذه الآية موضع سجدة تلاوة مشروعة مستحبة مؤكدة (أو واجبة عند الحنفية)؛ للاقتداء بأنبياء الله ورسله في الخضوع لآيات الرحمن.
وقد روى مسلم في صحيحه (رقم 81)مصدر غير محددحديث رقم ٨١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ». فالسجود هنا قهر لإبليس وتجديد لعهد العبودية لله الواحد القهار.
البلاغة في التعبير بـ «خَرُّوا»: الخرور يدل على سرعة الاستجابة وعفوية السقوط تذللاً؛ فكأن هيبة كلام الله ثقلت على أجسادهم حتى لم تقو على الوقوف فخرت ساجدة تفيض بالدموع، وتلك أبلغ صورة للخشوع الإنساني.
إضافة الآيات إلى «الرَّحْمَٰنِ»: استحضار لحنان الوحي ورحمة التنزيل؛ فكلام الرحمن لا يورث قسوة ولا جفاء، بل يرقق القلوب ويجري العيون بالدموع الصادقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا النص ميزان «حياة القلوب»؛ فالقلب الحي هو الذي يخشع ويبكي إذا تلي عليه القرآن، والقلب القاسي الميت هو الذي يسمع آيات الله تتلى فلا يتحرك فيه ساكن ولا تدمع له عين.
وينبغي للقارئ والمستمع إذا مر بهذه الآية أن يسجد لله خاضعاً، متضرعاً بالدعاء، ومستشعراً شرف الانضمام إلى موكب الساجدين الباكين من صفوة خلق الله.