إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا
إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا
يبين الله تعالى في هذه الآية البرهان الحاسم على نفي الولد، وهو أن كل كائن في هذا الكون الفسيح، علويه وسفليه، هو عبد مقهور تحت ملكوت الله وسلطانه؛ قال الطبري في جامع البيان (18/260)مصدر غير محدد١٨/٢٦٠: «يقول تعالى ذكره: ما كل من في السماوات والأرض من ملك وإنسي وجني وغير ذلك من أصناف خلقه، إلا وهو يأتيه يوم القيامة عبداً خاضعاً ذليلاً، مقراً له بالعبودية، لا يقدر على الامتناع من حكمه فيه وقضائه عليه». وقال ابن كثير في تفسيره (5/263)مصدر غير محدد٥/٢٦٣: «أي: كلهم عبيد له، لا يملك أحد منهم لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يكون له من عبيده ولد؟ وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم، والعبد لا يكون ولداً لسيده ولا شريكاً له في ملكه». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/159)مصدر غير محدد١١/١٥٩: «قوله تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا} هذا احتجاج عقلي وبرهان يقيني؛ بيّن أن كل من في السماوات والأرض عبيد له، خاضعون لملكه وقدرته، والعبودية تضاد البنوة؛ لأن الولد حر من جنس أبيه، ومملوك الله لا يكون ولداً له». وقال الرازي في التفسير الكبير (21/247)مصدر غير محدد٢١/٢٤٧: «المراد أن جميع العقلاء والمكلفين من الملائكة والإنس والجن مملوكون مقهورون بقهره، ومسخرون تحت تدبيره، ومعلوم أن الولد يستحيل أن يكون عبداً ومملوكاً لوالده، فثبت بطلان دعوى الولد من أصلها».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تمثل الدليل العقلي المتمم للآية السابقة {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا}؛ فكأن سائلاً قال: ولم لا ينبغي له أن يتخذ ولداً؟ فجاء الجواب القاطع: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا}. فإذا كان جميع الخلق بلا استثناء عبيداً مقهورين خاضعين، والعبودية تنافي البنوة بالضرورة العقلية والشرعية؛ إذ لا يتصور في عقل ولا لغة أن يكون الولد عبداً مملوكاً لوالده، ثبت بالبرهان البات أن عيسى والملائكة وعزيراً وسائر من عبدهم المشركون ليسوا إلا عبيداً لله، محتاجين إلى رحمته وقهره.