يصف القرآن الكريم تحصن مريم واحتجابها التام عن أعين قومها بساتر وحاجز يمنع رؤيتها، وفي تلك اللحظة التي تجردت فيها عن رؤية البشر أرسل الله إليها أمين الوحي جبريل عليه السلام «روحنا» بأمره وقدرته، فتشكل لها في صورة رجل تام الخلقة حسن الصورة مبرأ من العيوب والتشويه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 477)مصدر غير محدد١٥/٤٧٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا} قال: «ستراً استترت به». وعن مجاهد وقتادة والسدي في قوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} قالوا: «هو جبريل عليه السلام، سماه روحاً لأنه يحيا به ما نزل عليه من أمر الله كما يحيا الجسد بالروح».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 221)مصدر غير محدد٥/٢٢١ بإجماع أئمة التفسير والسلف أن المراد بالروح هنا هو جبريل عليه السلام، أرسله الله في صورة بشر سوي؛ أي شاب حسن المنظر مستوي الخلقة؛ لأنها لو رأته على صورته الملائكية التي خلقه الله عليها بأجنحته العظيمة لنفرت وفزعت فزعاً شديداً وعجزت عن سماع خطابه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«حِجَابًا»: الحجاب كل ما ستر المطلوب وحال دونه؛ من جدار أو جبل أو ستر قماش؛ والمراد: ساتراً يسترها عن أعين الناس لتتفرغ للعبادة والتطهر.
«رُوحَنَا»: أضيفت الروح إلى الله إضافة تشريف وتكريم وخلق واصطفاء؛ كقوله «بيت الله» و«ناقة الله»، والمراد به جبريل عليه السلام قطيعاً.
«فَتَمَثَّلَ»: التمثل هو التشكل والتحول في الصورة والهيئة؛ أي أخذ صورة وهيئة بشرية كاملة.
«سَوِيًّا»: السوي هو التام الأعضاء المعتدل القامة الخالي من النقص والعيب؛ يقال: رجل سوي إذا كان سليم البنية مستوي الخلقة.
الإعراب:
«فَاتَّخَذَتْ»: الفاء عاطفة، اتخذت فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي.
«مِن دُونِهِمْ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من حجاباً، وهم مضاف إليه.
«حِجَابًا»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«فَأَرْسَلْنَا»: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة، أرسلنا فعل وفاعل.
«إِلَيْهَا»: جار ومجرور متعلق بـ (أرسلنا).
«رُوحَنَا»: روح مفعول به منصوب، ونا ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
«فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا»: الفاء عاطفة، تمثل فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الروح (جبريل)، لها جار ومجرور، بشراً حال منصوبة من فاعل تمثل أو مفعول به ثانٍ إذا ضُمن تمثل معنى التصيّر، سوياً نعت لـ (بشراً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يجسد ذروة الابتلاء والتمحيص؛ فمريم عليها السلام ما اتخذت الحجاب إلا فراراً من أعين الناس وحرصاً على العفة والطهارة والخلوة بربها، فإذا بها تفاجأ في خلوتها المطلقة خلف الحجاب برجل كامل الرجولة والجمال مستوي الخلقة ماثل بين يديها دون استئذان ولا سابق موعد؛ وهذا المشهد المباغت يمثل أقصى درجات الفزع والامتحان لعفة المرأة الصديقة العذراء.
وسر إرسال جبريل في صورة «بشر سوي» ممتلئ بحسن الهيئة هو تمحيص عفتها وكمال صدقها؛ فلو جاءها بصورة كريهة أو مشوهة لربما نفرت منه قبحاً، لكن لما جاء في أكمل صور الرجال وأبهاها تجلى برهان عصمتها التامة ونفورها الغريزي والإيماني من كل ريبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض ضلالات النصارى في زعمهم أن الروح هو الإله أو الأقنوم الثالث:
زعمت النصارى في معتقدهم المحرف أن «الروح» المذكور هنا هو الأقنوم الثالث من الثالوث المزعوم، وأنه حلّ في مريم فولدت الإله المتجسد.
والمحاكمة القرآنية الصريحة تدمر هذا المعتقد الوثني من وجوه:
أن الله قال: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا}، والفعل «أرسلنا» يقتضي وجود مُرسِل (الله تعالى) ورسول مُرسَل مأمور (جبريل عليه السلام) ومُرسَل إليه (مريم)، والمرسَل مخلوق مأمور لا يمكن عقلاً أن يكون هو الإله الخالق؛ إذ كيف يرسل الإله نفسه؟!
صريح قول الملك في الآية اللاحقة: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ}؛ فأثبت أنه عبد رسول مبعوث من ربه، ولم يدع قط أنه إله ولا جزء من إله.
إضافة الروح إلى الله في قوله {رُوحَنَا} إضافة خلق ومُلك وتشريف؛ كإضافة الروح في قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} في شأن آدم، ولم يقل أحد إن آدم إله، فآدم ومريم وعيسى وجبريل كلهم عبيد مخلوقون مدبرون لله الواحد القهار.
التدرج المشهدي العجيب: (انتبذت) ثم (اتخذت حجاباً) ثم (فأرسلنا إليها روحنا) ثم (فتمثل لها بشراً سوياً)؛ تدرج سريع ومفاجئ يضع القارئ في قلب الحدث ويشعره بمدى الهيبة والمباغتة التي نزلت بالصديقة مريم.
التعبير بالروح: تكريم لجبريل عليه السلام وبيان لجوهر وظيفته العظمى؛ فهو الأمين على إحياء القلوب بوحي السماء وإحياء الأجساد بنفخ الأرواح بأمر الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يثبت هذا الموقف أن العفة الحقيقية هي التي تظهر في الخلوات حين تنقطع أعين الرقباء وتتهيأ سبل الفتنة؛ فمريم البتول كانت وحيدة وراء الحجاب، ومع ذلك ارتعدت خوفاً على دينها وعفافها.
كما يعلمنا أن قدرة الله تعالى تجعل الملائكة تتشكل في صور لائقة بحكمة الموقف؛ لتيسير البلاغ والتأنيس، وأن عالم الغيب محيط بنا يتدخل في شؤون الأرض بحكمة الله وقدرته.