استرسل بنو إسرائيل في تبكيت مريم والطعن في عفتها مذكرين إياها بنسبها الشريف الطاهر؛ فنادوها: يا شبيهة هارون في الصلاح والعبادة أو يا أخت الرجل الصالح المسمى بهارون، كيف يصدر منك هذا الصنيع وأبوك عمران كان رجلاً صالحاً مبرأ من الشرور، وأمك حنة كانت امرأة عفيفة طاهرة محصنة لم تكن بغياً زانية؟!
روى مسلم في صحيحه (رقم 2135)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٣٥، والترمذي (رقم 3155)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٥٥، والنسائي في الكبرى، والإمام أحمد في المسند عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «لما قدمتُ نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون: {يَا أُخْتَ هَارُونَ}، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك، فقال: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ»».
وروى الطبري (ج 15، ص 500)مصدر غير محدد١٥/٥٠٠ عن قتادة والسدي وكعب الأحبار أن هارون هذا كان رجلاً صالحاً عابداً في بني إسرائيل تُضرب به الأمثال في الصلاح والتقوى، فشبهوها به في العبادة؛ وقيل: كان لها أخ حقيقي من أبيها يسمى هارون تيمناً بنبي الله هارون بن عمران؛ وقيل: أرادوا النسبة البعيدة إلى سلالة هارون أخي موسى عليهما السلام كما يقال للرجل التميمي: يا أخا تميم. والحديث الصحيح المرفوع في صحيح مسلم فصل الخطاب القاطع في أنهم كانوا يسمون بأسماء الصالحين والأنبياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أُخْتَ هَارُونَ»: الأخت تطلق على الشقيقة في النسب، وتطلق على المشابهة في الوصف والمسلك، وتطلق على المنتسبة للقبيلة؛ والمراد هنا: إما أخت الصالحين شبيهاً بهم، أو أخت رجل سمي بهارون في عصرها، أو سلالة هارون عليه السلام.
«امْرَأَ سَوْءٍ»: المرء هو الإنسان والرجل، والسوء هو الفساد والشر والفجور؛ والمعنى: ما كان أبوك رجلاً فاسقاً ولا صاحب معاصٍ وخنا.
«بَغِيًّا»: زانية فاجرة تبتغي الفاحشة.
الإعراب:
«يَا أُخْتَ هَارُونَ»: يا حرف نداء، أخت منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، هارون مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
«مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ»: ما نافية، كان فعل ماض ناقص، أبوك اسمها مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة والكاف مضاف إليه، امرأ خبر كان منصوب، سوء مضاف إليه مجرور بالكسرة.
«وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا»: الواو عاطفة، ما نافية، كانت فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث، أمك اسمها مرفوع والكاف مضاف إليه، بغياً خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يعكس أسلوب التوبيخ النفسي البليغ؛ فإنهم واجهوها بثلاثة براهين اجتماعية على وجوب نزاهتها:
قدوة الصلاح المشابهة في قومها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ}.
عفة الأم وإحصانها: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}.
فكأنهم يقولون لها: من أين تسرب إليك هذا الخنا وهذا العار؟ فالأصل طاهر، والمنبت كريم، والبيئة عابدة صالحة، فكيف خرج هذا الفرع المشوه على خلاف أصله؟! وهذا من أشد ألوان التقريع تأثيراً في النفس الحية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة المستشرقين والمشككين حول زمن هارون وموسى:
طعن بعض المستشرقين والجهلة في القرآن زاعمين أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخطأ في التاريخ فظن أن مريم أم عيسى هي أخت هارون وموسى ابني عمران الذين عاشوا قبل عيسى بقرون متطاولة!
والمحاكمة النقلية والعقلية تدمر هذه الشبهة التافهة وتسحقها:
أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن هذا الإشكال بعينه في عصره حين أثاره نصارى نجران، فأجاب بالجواب النبوي المعجز الحاسم في صحيح مسلم: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ»؛ فكان اسم هارون وعمران ويوسف شائعاً جداً بين بني إسرائيل محبة وتيمناً بأنبيائهم العظام، كما يسمي المسلمون اليوم أولادهم: محمداً، وعمر، وعلياً، وعثمان.
وأي عاقل يتصور أن القرآن الذي فصل قصص بني إسرائيل وتفاصيل فرعون وموسى والسامري وكتب التوراة والإنجيل، يخفى عليه الفارق الزمني بين موسى وعيسى؟! هذا لا يقوله إلا جاهل معاند أعمى الله بصيرته عن نور الوحي.
المقابلة النظمية في نفي السوء عن الأبوين: نفى عن الأب كونه «امرأ سوء» (وهو نفي جامع لسائر المعاصي والفساد)، ونفى عن الأم كونها «بغياً» (وهو نفي لأخص التهم وأقبحها في حق النساء)؛ لاكتمال نصاب الطهارة الوراثية والبيئية.
الإشادة بفضل البيوت الصالحة: اعتراف أهل الباطل أنفسهم بأن البيت الصالح ينبغي أن تخرج منه الذرية الصالحة العفيفة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يبرز هذا النص أثر صلاح الآباء والأمهات في سمعة الأبناء؛ فالنسب الطاهر سياج حماية يدفع عن الأبناء تهم السوء، ويلزم الأبناء بالحفاظ على إرث الصلاح والعفاف الذي تركه الآباء.
كما يعلمنا أن الشبهات التاريخية واللغوية التي يثيرها أعداء الدين سرعان ما تتبدد أمام نصوص السنة الصحيحة وفهم لغة القرآن العميقة.