يعقب الله تعالى على مشهد الصفوة الساجدة الباكية ببيان الانحدار المأساوي المريع الذي أصاب الأمم اللاحقة؛ فخلف من بعد أولئك الأنبياء الكرام أجيال سوء وأعقاب خاسرون، ضيعوا أعظم فرائض الدين وهي الصلاة؛ بتركها وتفويتها وتأخيرها عن أوقاتها، وانغمسوا في اتباع الشهوات المحرمة والملذات الفانية، فتوعدهم الله بأنهم سيلقون في الآخرة هلاكاً وخسراناً وشراً، أو وادياً في قعر جهنم شديد حره بعيد قعره يسمى «الغي».
روى الطبري (ج 15، ص 556)مصدر غير محدد١٥/٥٥٦ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} قال: «ليس معناها تركوها بالكلية، ولكن أخروها عن مواقيتها وضيعوا أوقاتها؛ ولو تركوها بالكلية لكانوا كفاراً». وروى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وقتادة قالوا: «إضاعتها: تأخيرها عن وقتها، وترك الجماعات، والتثاقل عنها».
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن كثير (ج 5، ص 243)مصدر غير محدد٥/٢٤٣ عن عبد الله بن مسعود في قوله: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} قال: «الغيّ: وادٍ في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم، تستعيذ منه أودية جهنم في كل يوم سبعين مرة، أعده الله للمفرطين في الصلاة والمتبعين للشهوات».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَخَلَفَ»: الخَلَف هو من يجيء بعد من سبقه.
«خَلْفٌ»:
بسكون اللام (خَلْف): يستعمل في الذم لمن يخلف بغير الخير؛ يقال: خلَفُ سوءٍ بسكون اللام لمن لا خير فيه.
بفتح اللام (خَلَف): يستعمل في المدح لمن يخلف بالصلاح والبر؛ يقال: نِعْمَ الخَلَفُ هو؛ كما قال حسان: «لنا سَلَفٌ صالحٌ وخَلَفٌ».
والقرن المعجز بين «إضاعة الصلاة» و«اتباع الشهوات» يكشف عن قانون نفسي واجتماعي قطعي: فما ضيع عبد صلاته إلا فتح للشيطان باب شهواته؛ لأن الصلاة هي الحصن المانع: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}؛ فإذا هُدم هذا الحصن تدفقت أمواج الشهوات المحرمة ووقع الهلاك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حكم تارك الصلاة وتضييع مواقيتها:
استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على خطورة التهاون في الصلاة؛ فبين أئمة السلف أن مجرد تأخير الصلاة عن وقتها عمداً وإخراجها عن ميقاتها الشرعي عده الله «إضاعة» يستوجب وادي الغي في جهنم، فكيف بمن يتركها بالكلية ولا يركع لله ركعة؟!
والمحاكمة الشرعية تدق ناقوس الخطر: تارك الصلاة بالكلية على خطر الكفر المحبط للعمل لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ»؛ فالأمر جد لا يحتمل التهاون.
التنكير والتهويل في «غَيًّا»: إبهام وتفخيم للعذاب والهلاك؛ خسران لا يوصف، وعذاب أليم يحيط بهم جزاء تفريطهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يطلق هذا النص صرخة نذير للأمة والأسر والشباب: احذروا إضاعة الصلاة والانجراف وراء الشهوات؛ فما دمر الأمم والمجتمعات وما جلب عليها الهوان إلا تضييع الصلاة والغرق في الإباحية والملذات المحرمة.
وينبغي على كل مسلم أن يحاسب نفسه على صلواته الخمس: أداؤها في مواقيتها بخشوعها وركوعها وسجودها مع جماعة المسلمين؛ ليكون في موكب الصالحين لا في عداد الخلف الضائعين.