قال ابن عباس رضي الله عنهما: «{مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ}: أي مما يختارون ويشتهون ويشتهي بالهم؛ فكل فاكهة خطرت ببال العبد وجدها بين يديه مدلاة دانية قطوفها».
وقال السدي ومجاهد: «يتخيرون: أي يختارون أطيبها وأحلاها وأزكاها من كل صنف ونوع».
قال الحافظ ابن كثير: «أي ويطوف عليهم الغلمان بفواكه متنوعة كثيرة مما يختارون منها بحسب رغباتهم وأهوائهم في كل وقت وحين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَفَاكِهَةٍ}: الواو حرف عطف، فاكهة معطوف على {أَكْوَابٍ} مجرور وعلامة جره الكسرة؛ أو معطوف على {جَنَّاتِ}؛ والفاكهة ما يتفكه به من الثمار لغير القوت والتغذية الضرورية.
{مِّمَّا}: من حرف جر، و(ما) اسم موصول مبني في محل جر بمن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لفاكهة.
{يَتَخَيَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
الصرف: التخير تفعل من الخِيَار، وهو طلب الأفضل والأنفس والأنقى بحرية مطلقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم الشراب ثم الفاكهة:
بدأ بذكر الأواني والشراب {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ}، ثم أتبعه بالفاكهة {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ}، ثم بلحم الطير في الآية التالية؛ وهو ترتيب بديع يوافق مسالك التكريم والتفكه عند الملوك؛ فالفاكهة تقدم للتفكه والانتعاش قبل الطعام الدسم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حرية الاختيار المطلقة في الجنة:
في الدنيا قد يضطر الإنسان إلى أكل ما يجد لا ما يختار لضيق ذات اليد أو عدم توفر الثمار؛ أما في جنات النعيم فالأمر قائم على التخير المطلق {مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ}؛ فكل نوع يخطر بالبال حاضر لا ينقص منه شيء.