روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٣٠)جامع البيانالطبري٢٣/١٣٠ عن ابن عباس ومجاهد قالا: «{لَّا بَارِدٍ}: لا بارد الممس والنسيم كظلال الدنيا المعتدلة، {وَلَا كَرِيمٍ}: لا حسن المنظر بهي الرؤية؛ بل هو قبيح المنظر نتن الريح شديد الكرب».
وقال قتادة: «لا بارد فينفع برده، ولا كريم فيستطاب مقيله ومقامه؛ والعرب تقول لكل شيء لا خير فيه: ليس بكرِيم».
قال الحافظ ابن كثير: «أي ليس طيب الهبوب لينسخ عنهم الحر، ولا بهي المنظر فيستأنس به الناظر؛ بل هو دخان خانق مؤذٍ من كل وجه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا}: الواو حرف عطف، لا نافية لتأكيد استغراق النفي.
{كَرِيمٍ}: معطوف على {بَارِدٍ} مجرور وعلامة جره الكسرة؛ والكريم في كلام العرب هو الحسن الشريف النفاع الجامع لأوصاف المحامد؛ يقال: وجه كريم، ومكان كريم، ومرعى كريم إذا كان نضراً نافعاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نفي مقاصد الاستظلال جمعاً:
المستظل في العادة يطلب من الظل أمرين:
البرودة والراحة من وهج الحرارة.
حسن المنظر وكرامة الجلوس وطيب النفس.
فنفى القرآن الأمرين معاً: {لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ}؛ ليثبت أنه ظل عذاب ونكال لا يحصل منه المستظل إلا على الخيبة والغم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة نفي "الكرم" عن الجماد والظلال:
وصف الظل بأنه غير كريم دال على انتفاء النفع والخير والجمال عنه؛ فالعرب تصف كل ما لا غناء فيه ولا طائل وراءه بأنه "غير كريم"، كقولهم: دار غير كريمة، ونخلة غير كريمة إذا لم تثمر؛ فظل جهنم شر محض لا نفع فيه بوجه من الوجوه.
التعبير بـ{لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} يقطع كل رجاء للمستجير بهذا الظل، ويصور خيبة الأمل القاتلة التي تلحق بأهل النار حين يلجؤون إلى الدخان فراراً من اللهب فلا يجدون إلا العذاب المضاعف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كرم الله ولطفه بالمؤمنين:
المؤمن يتوجه إلى ربه الكريم الذي يفيض عليه بالكرامة والنور، ويستعيذ به من دار الإهانة التي نُفي عنها كل كرم وبرد.