روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٠٥)جامع البيانالطبري٢٣/١٠٥ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «{مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ}: ينظر بعضهم إلى وجه بعض مودة وأنساً، لا ينظر أحد في قفا صاحبه؛ يدور بهم السرير حيث داروا».
وعن مجاهد قال: «متقابلين: لا يرى بعضهم قفا بعض أبداً، بل وجوههم متقابلة تتلألأ بالبشر والنور».
قال الحافظ ابن كثير: «أي وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد مستدبراً لآخر؛ وذلك من تمام الأدب والمودة وحسن العشرة وكمال الأنس وطيب المحادثة».
وقال القرطبي: «نزع الله من قلوبهم الغل فصاروا إخواناً على سرر متقابلين، يتزاورون ويتحدثون بما كان منهم في دار الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُّتَّكِئِينَ}: حال أولى منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم، وصاحب الحال الضمير في {الْمُقَرَّبُونَ}.
الاتكاء في اللغة: الاعتماد على وسادة أو جانب للاسترخاء والتمكن.
{عَلَيْهَا}: على حرف جر، و(ها) ضمير متصل مبني في محل جر يعود على {سُرُرٍ}، والجار والمجرور متعلق بمتكئين.
{مُتَقَابِلِينَ}: حال ثانية منصوبة وعلامة نصبها الياء؛ وهو اسم فاعل من الفعل (تَقَابَلَ يتقابلُ) الدال على المشاركة وتبادل النظر والمواجهة؛ أي يقابل كل منهم أخاه بوجهه متودداً مستأنساً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين نعيم الجسد ونعيم الروح:
قوله {مُّتَّكِئِينَ}: يصور كمال الراحة البدنية والاستقرار.
وقوله {مُتَقَابِلِينَ}: يصور كمال الأنس النفسي والاجتماعي؛ فجلسة الأكابر لا تطيب إلا إذا اجتمع فيها هناء الجسد بالاتكاء مع بهجة الروح بالتقابل والمؤانسة والصفاء القلبي المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتفاء الغل والحسد في الجنة:
في الدنيا قد يتجاور الناس ولكن تدبر قلوبهم ويتحاسدون؛ أما في دار الكرامة فقد نزع الله كل سخيمة: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}؛ فالتقابل الجسدي صورة صادقة ومطابقة لتقابل الأرواح وائتلاف القلوب.