روى الترمذي (سنن الترمذي، رقم ٢٥٤٠)سنن الترمذيالترمذيحديث رقم ٢٥٤٠ وأحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} قال: «ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ».
وروى الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن قالوا: «فرش مرفوعة: أي نُضدت وطُبقت فوق السرر طبقة فوق طبقة من ديباج وحرير وإستبرق».
وقال جمهور المفسرين من السلف (ابن عباس وقتادة والضحاك): «الفرش هنا كنى بها عن النساء والزوجات؛ والعرب تسمى المرأة فراشاً وإزاراً ولباساً؛ ووصفت بكونها مرفوعة في الجمال والقدر والرفعة والعفة في حجالهن ومنازلهن العالية».
قال الحافظ ابن كثير: «الآية تحتمل المعنيين معاً؛ فرش مرفوعة فوق الأسرة عالية وثيرية، ونساء مرفوعات في الحجال بالجمال والشرف والكمال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَفُرُشٍ}: الواو حرف عطف، فُرُش معطوف مجرور بالكسرة؛ وفُرُش جمع فِرَاش، وهو ما يُبسط ليُجلس عليه أو يُنام عليه، ويطلق مجازاً على المرأة والزوجة.
الصرف: اسم مفعول من (رَفَعَ يَرْفَعُ)؛ والرفع يكون حسياً في العلو والمكانة، ومعنوياً في القدر والشرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد لذكر الأزواج والحور:
هذا الموضع النظمي يمثل جسراً بلاغياً فذاً؛ فإن فُسرت الفرش بالمجالس والبسط المرتفعة، ناسب ذلك ذكر ما يحل عليها من الأزواج في الآيات التالية: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً}؛ وإن فُسرت الفرش بالنساء المرفوعات قدراً وجمالاً، كان قوله {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ} عائداً صريحاً ومباشراً عليهن؛ فالتناسب النظمي في غاية التماسك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين المعنى الحسي والمعنوي للفرش:
بلاغة القرآن تستوعب المعاني المتعددة التي تتكامل ولا تتضاد؛ ففرش أهل الجنة عالية ناعمة تتنزل للمؤمن إذا أراد الجلوس عليها ثم ترتفع به في الهواء، وفي الوقت نفسه هي مجالس لحور وأزواج مرفوعات في القدر والعفة والكمال.