روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩١)جامع البيانالطبري٢٣/٩١ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: «{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}: أي ليس لوقعتها نفس تكذب بها، بل كل نفس حينئذ مؤمنة بها ومصدقة لوقوعها عياناً».
وقال قتادة والكسائي والفراء: «{كَاذِبَةٌ} مصدر كالعافية والعاقبة والناجية؛ والمعنى: ليس لوقعتها كذب، بل هي حق يقين لا شك فيه».
قال الحافظ ابن كثير: «أي ليس لوقوعها مكذب ولا دافع ولا مرية؛ بل إذا أمر الله بها كائنة لا محالة ولا يملك أحد دفعها ولا تكذيبها».
وقال القرطبي: «أي لا يكون حين تقع نفس تكذب بالبعث والجزاء؛ لأن المعاينة تقطع الشكوك وترغم أنوف الجاحدين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَيْسَ}: فعل ماض ناقص جامد يفيد النفي، مبني على الفتح.
{لِوَقْعَتِهَا}: اللام حرف جر دال على التعليل أو الظرفية (بمعنى عند)، وقعة اسم مجرور وعلامة جره الكسرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم.
{كَاذِبَةٌ}: اسم ليس مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
التوجيه الصرفي لكلمة {كَاذِبَةٌ}:
إما اسم فاعل أُريد به الموصوف، أي: ليس لوقعتها نفس كاذبة تكذب بها، كقوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}.
أو مصدر جاء على وزن (فَاعِلَة)، كـ(العافية) بمعنى العفو والمعافاة، و(العاقبة) بمعنى العقبى، و(القائلة) بمعنى القيلولة؛ فالمعنى: ليس لوقعتها تكذيب أو رد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تمام التوكيد بعد الإخبار:
لما ذكر وقوعها في الآية الأولى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، أردفها بنفي التكذيب عنها في الآية الثانية: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}؛ ليقطع كل أمل للمكذبين في التهرب من استحقاق ذلك اليوم المهيب، مؤكداً أن الحقيقة ستسطع وتلجم كل معاند.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإيمان الاضطراري عند المعاينة لا ينفع:
يقر الكفار والملاحدة يوم القيامة بالبعث والحساب ولا يكذب أحد منهم، ولكن هذا الإقرار جاء بعد فوات الأوان وانقضاء دار التكليف؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}.