روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٢٩)جامع البيانالطبري٢٣/١٢٩ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «اليحموم: دخان جهنم الأسود المظلم الشديد السواد والحرارة».
وقال مجاهد والضحاك وقتادة: «اليحموم: قطع الدخان الأسود المرتكم بعضه فوق بعض؛ وظل جهنم دخانها، كما قال تعالى: {انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}».
قال الحافظ ابن كثير: «أي دخان أسود متكاثف مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم؛ فظلها إنما هو دخان نارها المظلم الخانق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَظِلٍّ}: الواو حرف عطف، ظل معطوف مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الصرف: يَحْمُوم على وزن (يَفْعُول) للمبالغة في الشيء؛ مأخوذ من (الحَمّ) وهو السواد، ومنه الحُمَمَة وهي الفحمة السوداء؛ فاليحموم هو شديد السواد والحرارة والنتن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة مع {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}:
أصحاب اليمين في {ظِلٍّ مَّمْدُودٍ} من النور والنسيم المعتدل الذي يشرح الصدور؛ وأصحاب الشمال في {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ}؛ فاستعمل لفظ الظل معهم على سبيل التهكم والمشاكلة اللفظية؛ ليعلموا أن "ظلهم" المزعوم إنما هو سحابة سوداء خانقة من دخان النار تزيدهم حراً على حَرّ وخنقاً على كرب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يكون الدخان ظلاً؟
الجواب: هذا من باب التهكم البلاغي كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ فالظل في أصله ما يستر ضوء الشمس، فلما كان الدخان الأسود المتراكم يحجب النور ويظللهم من فوقهم سُمي ظلاً، ولكنه ظل خانق حارق لا راحة فيه ولا نجاة.