قال ابن عباس والحسن وقتادة: «{إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ}: أي كانوا في دار الدنيا منعمين في الشهوات والمعاصي، لاهين باللذات عن طاعة الله وتصديق رسله؛ فبطروا النعمة ونسوا المنعم».
قال الحافظ ابن كثير: «أي كانوا في الدنيا منعمين في أبدانهم وأموالهم، مقبلين على ملاذ أنفسهم، لا يفكرون في معاد ولا يخافون حساباً، فاستبدلوا بذلك النعيم الزائل هذا العذاب المقيم الدائم».
وقال القرطبي: «أخبر الله تعالى عن سبب استحقاقهم لهذا النكال وهو الترف المقرن بالغفلة والاستكبار والإعراض عن الحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّهُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
{كَانُوا}: كان فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها؛ وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن.
{قَبْلَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ{مُتْرَفِينَ} وهو مضاف.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، واللام للبعد والكاف للخطاب؛ والإشارة تعود إلى ما هم فيه من العذاب والنكال في الآخرة.
{مُتْرَفِينَ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
الصرف والمعجم: اسم مفعول من الفعل الرباعي (أَتْرَفَ يُتْرِفُ إِتْرَافاً)؛ والتَّرَف في لسان العرب: التوسع في النعمة واللذة حتى يفسد الطبع ويورث البطر والفسوق؛ والمترف هو الذي أطغته نعمته فصار عبداً لشهوته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من وصف العذاب إلى تعليله وبيان عدل الله:
بعد أن استعرض مشاهد السموم والحميم وظل اليحموم، بين العلة الحقيقية التي أوردتهم هذا المورد الشنيع: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ}؛ ليعلم العقلاء أن عذاب الله ليس انتقاماً عشوائياً، بل هو عدل محض وجزاء وفاق على الاستغراق في الترف والبطر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل مجرد الغنى والنعمة مذموم في الإسلام؟
الجواب: كلا؛ فالغنى والمال من فضل الله ونعمته إن استُعين به على طاعة الله وأُدي حقه؛ وإنما المذموم هو "الترف" المذكور في الآية: وهو إيثار الدنيا على الآخرة، والغفلة عن الطاعة، والبطر، والتكبر على الحق والمستضعفين، والانغماس في المحرمات؛ ولذلك لم تهلك قرية في القرآن إلا كان مترفوها هم رأس الفساد فيها: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا}.
صيغة اسم المفعول تدل على أن النعمة قد استعبدتهم وأترفتهم فصارت هي الحاكمة عليهم، ولم يكونوا هم السادة عليها بالتصريف في مرضاة الله؛ فكانوا أسرى لشهواتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من داء الترف والرخاوة:
الترف يبلد الحس الديني، ويميت الغيرة في القلوب، ويقعد بالهمم عن الجهاد والبذل؛ والواجب على المسلم التخفف والتربية على الخشونة؛ كما قال عمر رضي الله عنه: «تَمَعْدَدُوا، وَاخْشَوْشِنُوا، وَاقْطَعُوا الرُّكَبَ».