روى الحاكم وصححه، وابن جرير الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٥)جامع البيانالطبري٢٣/٩٥ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «الهباء المنبث: هو الغبار الذي يُرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة، لا يُمس بالأيدي ولا يُرى إلا في الضوء».
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «الهباء: ما تطاير من شرر النار ودخانها وغبارها، والمنبث: المتفرق المنتشر الذي تذروه الرياح فلا يبقى منه شيء».
قال قتادة: «المنبث: هو ورق الشجر إذا جف وتكسر وذرته الرياح في كل وجه».
قال الحافظ ابن كثير: «أي صارت تلك الجبال العظيمة بعد بسها غباراً متفرقاً منتشراً تذروه الرياح، حتى لا يُرى منها أثر ولا عين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكَانَتْ}: الفاء حرف عطف تفريعي دال على التعقيب السريع، كان فعل ماض ناقص مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، واسم كان ضمير مستتر تقديره (هي) يعود على الجبال.
{هَبَاءً}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
الهَبَاء في اللغة: الغبار الدقيق المتطاير المنبث في الهواء الذي لا يكاد يُرى إلا في ضوء الشمس الداخل من نافذة أو شق.
منبث اسم مفعول من الفعل (انْبَثَّ ينبثُّ)، والهمزة للوصل، وهو مطاوع بَثَّهُ إذا فرقه ونشره؛ فالمنبث هو المتفرق في كل اتجاه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اكتمال المشهد التصويري المعجز:
هذا التسلسل النظمي يبلغ قمة الإعجاز البياني في رسم مسار التحول:
{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا}: عملية السحق والدق في موضعها.
{فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا}: النتيجة الحتمية لتحول الصخور الصماء إلى ذرات هباء متطايرة تذرى في الفضاء؛ فيسوى الكون كله استعداداً للعرض والحساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصير أعمال الكافرين:
كما تحولت الجبال العظيمة الشامخة إلى هباء منبث، فكذلك أعمال الكفار والمشركين التي ظنوها عظيمة ستؤول يوم القيامة إلى العدم؛ كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}؛ فلا بقاء إلا لما كان خالصاً لوجه الله الكريم.
التقابل المذهل بين صلابة الجبال وضخامتها الاستثنائية، وبين دقة "الهباء المنبث" وخفته التي تذروها الرياح؛ فما أعظم قدرة الله التي تحيل الجلاميد الراسيات إلى هباء متطاير!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
احتقار الكبر والاستعلاء:
من رأى مصير الجبال تفتتت وصارت هباءً، كيف يتكبر على عباد الله أو يغتر بماله وعشيرته؟
الحرص على تجريد الإخلاص: الخوف من أن يأتي العبد بأعمال كالجبال ثم يجدها يوم القيامة هباءً منبثاً لفساد النية أو ضياع التوحيد.