روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٠١)جامع البيانالطبري٢٣/١٠١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري قالوا: «{ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ}: أي جماعة وفوج عظيم وكثير من الأمم السابقة من لدن آدم إلى بعثة النبي محمد ﷺ».
وعن الحسن البصري قال: «الثلة: الجماعة الكثيرة من الناس».
قال الحافظ ابن كثير: «أي جماعة كثيرة من الأمم الماضية؛ لأن الزمان ممتد من لدن آدم إلى محمد ﷺ، فكان فيهم أنبياء كثر ورسل وأتباع مخلصون استحقوا رتبة السابقين».
وقيل في قول آخر عن مجاهد والضحاك: «ثلة من أول هذه الأمة المحمدية وهم الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُلَّةٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم ثلة)، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ أو بدل من الضمير في {الْمُقَرَّبُونَ}.
الثُّلَّة في لغة العرب: القطعة المجتمعة الكثيرة من الناس والصوف والمال؛ وأصلها من (الثَّلّ) وهو الصب والكثرة؛ يقال: ثلَّ ماله إذا كثر واندفق، وثُلَّ عرشه إذا انهد مجتمعه.
{مِّنَ}: حرف جر يفيد التبعيض أو بيان الجنس.
{الْأَوَّلِينَ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لـ{ثُلَّةٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل نسب السابقين وتعدادهم:
بعد أن بين شرفهم ومكانهم ومقامهم في جنات النعيم، كشف عن عددهم وتوزيعهم في التاريخ الإنساني: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}؛ تبياناً لندرة هذا المقام وعزته واستحقاق أهله للتكريم الاستثنائي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا كان المقربون ثلة كثيرة في الأولين؟
الجواب: لأن الأولين يشملون جميع أمم الأنبياء والمرسلين والقرون المتطاولة على مدار آلاف السنين، فكان اجتماع السابقين من جميع تلك الأمم يمثل ثلة وجماعة كبيرة بالنظر إلى اتساع الزمان وتعدد الرسل والرسالات.