روى الترمذي وأحمد في مسنده بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ، فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا نَضِيجًا».
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «طير الجنة أمثال البخاتي (أي كالإبل العظيمة)، تطوف في رياض الجنة، فإذا اشتهاه ولي الله وقع بين يديه قد نضج على ما يشتهي، ثم إذا فرغ منه عاد طيراً يطير كما كان بإذن الله».
قال الحافظ ابن كثير: «أي ويطوفون عليهم بلحم طير شهي من أنواع الطيور التي تهواها نفوسهم وتشتهيها قلوبهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَحْمِ}: الواو حرف عطف، لحم معطوف على {فَاكِهَةٍ} مجرور بالكسرة وهو مضاف.
{طَيْرٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ والطير اسم جنس جمعي يقع على القليل والكثير.
{مِّمَّا}: من حرف جر، و(ما) اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور نعت لـ{لَحْمِ}.
{يَشْتَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
والشهوة: حركة النفس طلباً لما يلائمها ويحقق لها كمال اللذة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية بين {يَتَخَيَّرُونَ} و{يَشْتَهُونَ}:
في الفاكهة قال: {مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ}؛ لأن الفاكهة تتعدد أصنافها فيحب الإنسان أن يختار بين ألوانها وثمارها.
وفي اللحم قال: {مِّمَّا يَشْتَهُونَ}؛ لأن أكل اللحم إنما يطيب إذا وافق شهوة النفس التامة واشتهاء نوعه وصنعته وطعمه؛ فكان اختيار اللفظين في غاية الدقة البلاغية والملائمة النفسية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اختصاص لحم الطير بالذكر:
لحم الطير هو ألطف اللحوم وأخفها على المعدة وأزكاها طعماً وأسرعها هضماً، وهو طعام أهل الرفاهية والملوك؛ فخصه الله بالذكر لبيان كمال اللطافة والنقاء في مطاعم المقربين.