روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١١٣)جامع البيانالطبري٢٣/١١٣ عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة قالوا: «{فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}: السدر: شجر النبق؛ ومخضود: أي قُطع شوكه وخُضد، فلا شوك فيه؛ لأن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وسدر الجنة كثير الثمر لا شوك فيه».
وروى أبو نعيم في صفة الجنة والترمذي عن سليم بن عامر قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إنه لينفعنا الله بالأعراب ومسائلهم؛ أقبل أعرابي يوماً فقال: يا رسول الله، لقد ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها! قال: وما هي؟ قال: السدر، فإن له شوكاً! فقال رسول الله ﷺ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}؟ خَضَدَهُ اللَّهُ مِنْ شَوْكِهِ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، تَنْبُتُ ثَمَرًا تَفَتَّقُ عَنْ سَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، لَا يُشْبِهُ فِيهِ لَوْنٌ لَوْنًا».
قال الحافظ ابن كثير: «خُضد شوكه فنزع وأبدل مكانه الثمر المتراكب النضيج».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِي}: حرف جر للظرفية المكانية.
{سِدْرٍ}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو اسم جنس جمعي مفرده سِدْرَة؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ثان لـ{أَصْحَابُ الْيَمِينِ}، أو متعلق بمحذوف حال.
الصرف والمعجم: اسم مفعول من (خَضَدَ يَخْضِدُ خَضْداً)؛ والخضد في لسان العرب: كسر الشوك أو قطعه؛ يقال: خضد الشوكة إذا ثناها وكسرها حتى لا تؤذي؛ وخضد الغصن إذا حط أثقاله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البداية بالمألوف عند العرب وتطهيره من العيوب:
كان السدر من أعز الأشجار عند العرب في جزيرتهم؛ يطلبون ظله ويأكلون نبقه، غير أنه كان يعيب سدر الدنيا كثرة شوكه وغلظه وقلة ثمره؛ فافتتح الله أوصاف بساتين أصحاب اليمين بذكر السدر المطهر من كل آفة وشوك: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}؛ ليعلموا أن كل ما أحبوه في الدنيا حاضر في الجنة في كمال جماله ومنزوعاً من كل أذاه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتفاء كل أذى في نعيم الجنة:
من القواعد الكلية في جنات النعيم: طهارة الموجودات من كل منغص؛ فشجر الجنة لا شوك فيه، وثمارها لا قشر يرمى ولا عجم (نوى) يعيبها، وفاكهتها لا تؤذي بطناً، وظلالها لا شمس تفسدها؛ فكل لذة فيها محضة خالصة.
تحويل مواضع الشوك المؤلمة إلى مواضع للثمار اللذيذة يرمز إلى قاعدة الجزاء الرباني: فكل ألم أو شوكة كابدها المؤمن في دار الدنيا صبراً واحتساباً يبدلها الله له في الآخرة حلاوة ونعيماً متجدداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستبشار بالثواب وتهوين مشاق الطاعة:
الصبر على وخزات الابتلاء في الدنيا طريق إلى السدر المخضود في دار الخلود؛ وما من شوكة يشاكها المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه ورفع بها درجاته.