قال أئمة التفسير: «ثم إنكم بعد هذا الحشر والجمع في ذلك اليوم المعلوم، صائرون إلى ما ينتظركم من النكال والوبال؛ أيها الضالون عن طريق الهدى في قلوبكم، المكذبون بالحق والرسل بألسنتكم وأعمالكم».
قال الحافظ ابن كثير: «هذا تهديد شديد وتوبيخ عظيم لمنكري البعث؛ يخبرهم بما يصيرون إليه في نار جهنم من الطعام والشراب النكد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الزمني والرتبة؛ للانتقال من مشهد الحشر والجمع إلى مشهد العقاب وتناول طعام الجحيم.
{إِنَّكُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها والميم للجمع.
{أَيُّهَا}: أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب بأداة نداء محذوفة تقديره (يا أيها)، و(ها) حرف تنبيه لا محل له.
{الضَّالُّونَ}: نعت لـ(أي) على اللفظ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والضلال: العدول عن الصراط المستقيم والسير في مسالك التيه.
{الْمُكَذِّبُونَ}: نعت ثان مرفوع بالواو؛ والتكذيب: جحد الحق بعد قيام الحجة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات إلى الخطاب المباشر القارع:
بعد أن كان الحديث عنهم بصيغة الغيبة: {وَكَانُوا يَقُولُونَ}، التفت السياق إلى مواجهتهم بالخطاب المباشر التقريعي: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ}؛ وهذا الالتفات من أروع أساليب البلاغة؛ ليفاجئهم بالنداء الذي يخلع قلوبهم ويشعرهم بحضورهم المذل بين يدي الجبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين صفتي الضلال والتكذيب:
وصفهم بصفتين متلازمتين تمثلان جماع الشر:
{الضَّالُّونَ}: فساد العلم والتصور؛ فضلوا في عقولهم عن معرفة الخالق وقدرته.
{الْمُكَذِّبُونَ}: فساد الإرادة والعمل؛ فكذبوا الرسل عناداً واستكباراً؛ وبذلك اجتمع عليهم ضلال العقل وفساد السلوك.