روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٦)جامع البيانالطبري٢٣/٩٦ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} قال: «أصنافاً ثلاثة متمايزين؛ صنفان في الجنة، وصنف في النار».
وروى أحمد والترمذي وصححه من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ في تفسير السابقين والمقربين.
قال الحافظ ابن كثير: «أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف لا رابع لها: السابقون المقربون، وأصحاب اليمين الأبرار المقتصدون، وأصحاب الشمال الفجار المكذبون».
قال الإمام القرطبي: «الزوج في لغة القرآن هو الصنف والنظير والشكل؛ فكل صنف يقرن بنظرائه وأشكاله في العمل والجزاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكُنتُمْ}: الواو حرف استئناف أو عطف على ما تقدم، كان فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم كان، والميم علامة جمع الذكور؛ والخطاب موجه للبشرية كلها.
{أَزْوَاجًا}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والزوج في كلام العرب يطلق على الصنف والنوع والشكل؛ ومنه قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي أشباههم ونظراءهم في الكفر.
{ثَلَاثَةً}: نعت لـ{أَزْوَاجًا} منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ ولحقت به التاء لأن المعدود مذكر في مفرده (زوج).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الانقلاب الكوني إلى مصائر الخلائق:
بعد أن فرغ السياق من تصوير رج الأرض وتفتت الجبال وهباء الكون، التفت الخطاب مباشرة إلى بني آدم: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً}؛ ليقرر أن هذا الانقلاب الكوني الهائل ليس عبثاً، بل هو مقدمة وتمهيد لفرز البشرية وتصنيفها بحسب أعمالها وإيمانها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر الخلائق في الأصناف الثلاثة:
هل يدخل في هذا التقسيم أصحاب الأعراف أو أصحاب الكبائر من أهل التوحيد؟
الجواب: التقسيم هنا تقسيم نهائي لمآلات الخلائق المستقرة؛ فالمقربون وأصحاب اليمين هم أهل الجنة بدرجاتها، وأصحاب الشمال هم أهل النار؛ وأهل الأعراف وعصاة الموحدين مآلهم النهائي إلى أصحاب اليمين برحمة الله وشفاعة الشافعين؛ فلا يخرج أحد في نهاية الأمر عن هذه الدوائر الثلاث.
الالتفات من الغيبة في وصف الأرض والجبال إلى خطاب المكلفين الحاضرين {وَكُنتُمْ}: لتنبيه الضمير وإيقاظ القلوب بأن كل سامع لهذه الآيات سيكون حتماً واحداً من هؤلاء الثلاثة.
الملمح الإشاري:
اجتماع الأشباه: يحشر كل إنسان مع من يشاكله؛ فأهل الصدق مع الصادقين، وأهل الترف والظلم مع الظالمين: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المحاسبة الذاتية الصارمة:
ليس في الآخرة منطقة محايدة؛ فالأصناف ثلاثة محددة، والواجب على العبد أن يسأل نفسه بصدق: مع أي الأصناف يسير اليوم؟ ومع من سيحشر غداً؟