روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٣١)جامع البيانالطبري٢٣/١٣١ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن وسعيد بن جبير قالوا: «{الْحِنثِ الْعَظِيمِ}: هو الشرك بالله وعبادة الأوثان؛ فليس ذنب أعظم من الشرك».
وقال الشعبي وابن زيد: «هو اليمين الكاذبة التي كانوا يحلفون بها في الدنيا ألا بعث ولا نشور، كقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ}».
قال الحافظ ابن كثير: «أي كانوا يصرون على الشرك بالله، ويعكفون على عبادة الأصنام والأنداد، ولا يتوبون منه ولا يرجعون عنه حتى ماتوا عليه؛ والإصرار هو الثبات والملازمة على القبيح».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكَانُوا}: الواو حرف عطف، كان واسمها ضمير الواو.
{يُصِرُّونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان.
الصرف: الإصرار مأخوذ من الصَّرِّ وهو الشد والربط والملازمة؛ يقال: صرَّ على الشيء إذا عزم عليه ولزمه ولم ينثنِ عنه؛ وأصر على الذنب إذا ثبت عليه وداوم عليه دون استغفار.
{عَلَى}: حرف جر للمجاوزة والملازمة والاستعلاء المجازي.
{الْحِنثِ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والحِنْث في كلام العرب: الذنب العظيم، ونقض العهد، واليمين الغموس الكاذبة؛ ومنه: بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم وكُتبت عليه الذنوب.
وبذلك استوعب القرآن جذري الانحراف البشري: الشهوة المطغية، والشبهة المردية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة الإصرار على المعصية:
بينت الآية أن الهلاك ليس لمجرد الوقوع في الذنب؛ فالإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون؛ وإنما الهلاك في "الإصرار" والمكابرة والامتناع عن التوبة؛ فالإصرار على الذنب الصغير يصيره كبيراً، فكيف بالإصرار على الحنث العظيم وهو الشرك والتكذيب؟