روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٩)جامع البيانالطبري٢٣/٩٩ بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «السابقون إلى الصلاة، السابقون إلى الإيمان».
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «السابقون إلى الإيمان والجهاد والتوبة والطاعة في الدنيا، هم السابقون إلى الجنة والرضوان والكرامة في الآخرة؛ فالجزاء من جنس العمل».
وقال محمد بن سيرين وقتادة: «السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين، وبايعوا تحت الشجرة، وسائر صفوة هذه الأمة وخيارها».
قال الحافظ ابن القيم: «السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات؛ فالسبق هناك على قدر السبق هنا، فمن سبق في الدنيا إلى طاعة الله سبق في الآخرة إلى قربه ورضوانه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالسَّابِقُونَ}: الواو حرف عطف أو استئناف، السابقون مبتدأ أول مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
{السَّابِقُونَ}: فيها وجهان إعرابيان جليلان لأئمة النحو والتفسير:
أن تكون {السَّابِقُونَ} الثانية توكيداً لفظياً للأولى، والخبر هو الجملة الاسمية في الآية التالية: {أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}.
أن تكون {السَّابِقُونَ} الثانية هي خبر المبتدأ؛ والمعنى: السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رضوانه وجنته؛ أو السابقون هم الذين بلغوا الغاية في الفضل كأنهم لا يُعرفون إلا بكونهم السابقين، كقولهم: (زيدٌ زيدٌ) و(أنتَ أنتَ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الأصناف بذكر الصفوة المطلقة:
ذكر أصحاب الميمنة أولاً، ثم أصحاب المشأمة ثانياً، ثم أفرد الصنف الثالث والأعلى بالذكر: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}؛ فجاء ذكرهم تتويجاً ومسك ختام للمقدمة، ومدخلاً فسيحاً لتفصيل نعيمهم الباذخ قبل سائر الأصناف لعلو رتبتهم وشرف مقامهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل السبق محصور بالصحابة والأولين؟
الجواب: كلا؛ فالسبق وصف ومقام إيماني يتسع لكل من شمر وسابق في كل زمان ومكان؛ فكل من بادر إلى التوبة، وسبق إلى الصالحات، وصدق في الإخلاص لله والمتابعة لرسوله، فهو من السابقين بحسب درجته، وإن كان لأول هذه الأمة من الصحابة والبدريين فضيلة السبق الزماني والمكاني المطلق.
تكرار اللفظ {السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} من أعلى درجات الفصاحة؛ لإفادة أن شأنهم أعظم من أن يحيط به وصف أو يماثله نظير؛ فهم السابقون المشهورون الذين لا يخفى فضلهم.
الملمح الإشاري وسلوك السائرين:
السبق سبق القلوب والأرواح قبل الجوارح؛ فرب عبد خفي أشعث أغبر يسبق الركب بإخلاصه وصدق افتقاره إلى الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علو الهمة ورفض الدون:
ينبغي للمسلم ألا يرضى بمجرد النجاة والسلامة، بل يتطلع إلى رتبة السبق والمقربين؛ قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، وقال: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.